


عدد المقالات 345
عندما يمتزج طيفا الوصف، وتتقن عدسة الشاعر نمطَي التصوير، ويجتمع الوجهان: التشبيهي والتصويري في لسان واحد وبيان، يفيض الشعر حسناً على حسن، وتشعُّ عدسة الشاعر بالأُبّهة.. وهنا نتذكر شاعراً رقيق الأحاسيس، مشفق المشاعر، ضعيف شغاف القلب، إنه أبو صخر الهذلي الذي ينوء بحبّ عليّة، ويرزح تحت تكاليف عشقها الباهظ، وكعادة الحسان في الإعراض عادة عليّة، وكعادة الشعراء في الشكوى عادة أبي صخر الذي تفوق على غيره برهافته وذوبان كيانه أمام المحبوبة بحسب ما صورته عدسته، إذ يقول: وإِني لتَعروني لذكراكِ نفضةٌ كما انتفضَ العصفورُ بلّله القطرُ قد تتجاوز هذه الحالة مرحلة الوله إلى مرحلة الخشوع، حتى إن ذكرى الحبيبة لا تبقى حبيسة في فؤاده مكنونة في روحه، بل يتسبب في رعشة لبدنه، ما كان لنا أن نتصورها لولا أنه صوّرها بمثلها أو بأحسن منها، لقد شرح الشاعر رعشته بحيث لا يمكننا شرحها بعده، وبسّطها حتى ساغت وتماهت مع الأفهام، فلا أبرح قصيدته قبل أن أريكم صورة أخرى له يقول فيها: تمنيتُ من حبي عليّةَ أَننا على رمَثٍ في البحر ليس له وَفرُ فنقضي همومَ النفسِ من غيرِ رَقْبةٍ ويُغرقُ مَن نخشى نميمتَه البحرُ هذا من طرافة التصوير، أن يعجز الشاعر أمام حدود الواقع، وتستحكم به قيود العرف وتغلق دونه أبواب الوصال، فيعمد إلى خياله ليصنع عالماً يتخطّى فيه كل العوائق ويتمطّى فيه كما شاء، وهنا تمنّى أبو صخر مركباً في البحر لا يتسع إلا له ولعليّة، ويغرق حولهما الرقباء والواشون، ثم يتمّ له حظّه من حبيبته ويضحك له سعده معها ويجمعه الدهر بها على صيغة لا فراق بعدها.
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...
عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...
إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...