


عدد المقالات 376
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ والكتابةِ، ندرك أنَّ الكتابةَ عنصرٌ مهمٌّ في الحياة الإنسانيةِ، وإِنَّ بقاءَها وتطوُّرَها وازدهارَها في عصرنا الراهن، عصرِ الرقمنةِ، دليلٌ واضحٌ على أهمِّيَتها ومكانَتِها. وقد سعتِ الحضاراتُ القديمةُ وشعوبُها دائمًا إلى إيجادِ وسيلةِ تواصلٍ بصريَّةٍ، فكانت الرسوم والأشكالُ أُولى محاولاتهم، ثُمَّ تطوَّرَتْ هذه الرسومُ والأشكالُ لتصبحَ حروفًا وكلماتٍ وجملاً، ثُمَّ كتبًا ومؤلفاتٍ وموسوعاتٍ.
ونحن في هذا السياق نقول: لولا الكتابةُ، وما خُطُّ من نقوشٍ ورسومٍ ورموزٍ وأشكالٍ، لما عرفنا شيئًا عن السابقين إِلا قليلًا، فلِلهِ دَرُّ الكتابةِ التي قَرَّبَتْ إلينا عصورًا مضتْ، وحضاراتٍ درسَتْ، وشخوصًا طحنَهُمُ الثَّرى بِكَلْكَلِهِ، ولولاها لما انتفَعَ اللاحقونَ مِنْ علومِ السابقين.
ولابنِ خُلدونَ قولٌ جميلٌ في الكتابة، أورَدَهُ في مقدِّمَتِهِ، جاءَ فيه:
«إنّ الكتابةَ من الصنائعِ الإنسانية، وهي رسومٌ وأشكالٌ حرفية، تدلّ على الكلمات المسموعة الدالّة على ما في النفسِ، فهي ثاني رتبةٍ من الدلالة اللغوية، وهي صناعةٌ شريفةٌ؛ إِذ إِنَّ الكتابةَ من خواصّ الإنسانِ التي يتميَّزُ بها مِنَ الحيوانِ، وأَيضًا فهي تطَّلِعُ على ما في الضمائرِ، وتتأَدّى بها الأغراضُ إلى البلدِ البعيدِ، فتُقضى الحاجاتُ، وقد دَفَعَتْ مؤونةَ المباشرةِ لَها، ويُطَّلَعُ بها على العلومِ والمعارفِ وصحُفِ الأوَّلين، وما كتبوهُ مِنْ علومِهِم وأخبارِهم؛ فهي شريفةٌ بهذهِ الوجوهِ والمنافعِ، وخروجُها مِنَ الإنسانِ مِنَ القول إِلى الفعلِ، إنما يكون بالتعليمِ».
لكن كيف نظرَ العربُ وحضارتُهم إلى الكتابةِ؟ ليس هناك من يجزمُ بوجودِ تاريخٍ معيّنٍ للبداياتٍ الأولى المرتبطةِ بالكتابةِ العربيةِ، لكن ما يمكن أن يُجمعَ عليه المؤرخون أنَّ الكتابةَ العربية مرّت بعصورٍ مبهمةٍ قبل أن تصلَنا بصورتِها التي تلقّفَها العرب في العصر الجاهلي، ثُمَّ المسلمون من بعدهم. وللمؤرخينَ في نشأةِ الكتابةِ أقوالٌ عديدةٌ: 1) إنّ أوَّلَ من وضع الكتاباتِ كلَّها آدمُ عليه السلام، كتبها في طينٍ، ثمّ طَبَخَهُ (أي حرقَهُ لِيَجِفَّ) قبلَ وفاته بثلاثِمِئَةِ سنةٍ، فلمّا أظلّ الأرضَ الغرقُ، أصابَ كلُّ قومٍ كتاباتِهم. وقيل إنها أُنزلَت على آدمَ عليه السلام في إِحدى وعشرين صحيفةً. وإنَّ مَنْ اعتَدَّ بهذا الرأي رأى أنَّ أمرَ الكتابة المرتبطَ بآدمَ توقيفيٌ، (أي أن الله خلق لآدم علمًا ضروريًا بمعرفة الألفاظ والمعاني، وإن الكتابةَ وُضِعَتْ لحفظِ تلك المعاني، ويصدِّقُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدمَ الأَسْماءَ كُلَّهَا﴾[البقرة: 31]. الذي قيل فيه: إن الله علّم آدم سبعمئة ألف لغة، فلما أكل من الشجرة، سُلبَتْ منه اللغات جميعًا إلا العربيةَ، ولما اصطفاه اللهُ للنبوَّةِ رَدَّ إِليه اللغاتِ جميعًا». فكان من معجزاتِهِ عليه السلام، حديثُه باللغاتِ المختلفةِ جميعًا التي يتحدّثُ بها أولادُه إلى يومِ القيامةِ». 2) إنَّ أولَ من وضعَ الكتابةَ بعدَ آدمَ، إدريسُ عليه السلام، فقد وردَ «أنَّ أول مَنْ خطّ بالقلمِ بعدَ آدمَ، إدريسُ عليه السلام». 3) إنَّ أول من وضع الكتابةَ العربيةَ ثلاثةٌ من طَيِّئ، هم مُرامِر بن مُرّة، وأَسلَمُ بن سِدرَة، وعامر بن جَدْرة، ثم علّموها أهلَ الأنبارِ، فتعلَّمها بشرُ بن عبد الملكِ الكندي صاحبُ دومةِ الجَنْدَل، وخرج إلى مكةَ، فتزوَّجَ الصهباءَ بنتَ حرب بن أميةَ أختَ أبي سفيان، فعلَّم جماعةً من أهلِ مكةَ، لذلك، كثُرَ مَنْ يكتبُ بمكةَ مِنْ قريش. وقد ذكر السيوطي نفرًا كانوا يكتبون قبلَ الإسلامِ، منهم: بشرُ بنُ عبد الملك، وسفيانُ بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأبو قيس بن عبد مناف».
بناءً عليه، فالكتابة من أعظم إنجازات البشرية، بها حُفظ تاريخ البشرية، وبها انتقلت العلوم والمعارف من جيل إلى جيل، فكانت الكتابة بحق، خير بريد يصل الحضارات الإنسانية ببعضها.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...
قد يظنُّ ظانٌّ أنَّ الغني هو كثير المال والعقار، أو من يمتلك ذهبًا وفضةً ولؤلؤًا. لكن الحقيقة غير ذلك، فإلى أي معنى ينتمي الغنى؟ ومَنْ الغني في عُرف الله وعُرف اللغة والعرب؟ ورد اسم «الغني»...
قالها لي أحدهم يومًا عندما وصلنا في النقاش إلى طريق مسدود، لكن من دون علمي بما يعنيه الصفر في أسفار العلم والأدب، والقيم والأخلاق، فالصفر هو أنت عندما تقرر أن تكون متجددًا، وعندما تريد أن...
كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...
وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...