


عدد المقالات 367
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ والكتابةِ، ندرك أنَّ الكتابةَ عنصرٌ مهمٌّ في الحياة الإنسانيةِ، وإِنَّ بقاءَها وتطوُّرَها وازدهارَها في عصرنا الراهن، عصرِ الرقمنةِ، دليلٌ واضحٌ على أهمِّيَتها ومكانَتِها. وقد سعتِ الحضاراتُ القديمةُ وشعوبُها دائمًا إلى إيجادِ وسيلةِ تواصلٍ بصريَّةٍ، فكانت الرسوم والأشكالُ أُولى محاولاتهم، ثُمَّ تطوَّرَتْ هذه الرسومُ والأشكالُ لتصبحَ حروفًا وكلماتٍ وجملاً، ثُمَّ كتبًا ومؤلفاتٍ وموسوعاتٍ.
ونحن في هذا السياق نقول: لولا الكتابةُ، وما خُطُّ من نقوشٍ ورسومٍ ورموزٍ وأشكالٍ، لما عرفنا شيئًا عن السابقين إِلا قليلًا، فلِلهِ دَرُّ الكتابةِ التي قَرَّبَتْ إلينا عصورًا مضتْ، وحضاراتٍ درسَتْ، وشخوصًا طحنَهُمُ الثَّرى بِكَلْكَلِهِ، ولولاها لما انتفَعَ اللاحقونَ مِنْ علومِ السابقين.
ولابنِ خُلدونَ قولٌ جميلٌ في الكتابة، أورَدَهُ في مقدِّمَتِهِ، جاءَ فيه:
«إنّ الكتابةَ من الصنائعِ الإنسانية، وهي رسومٌ وأشكالٌ حرفية، تدلّ على الكلمات المسموعة الدالّة على ما في النفسِ، فهي ثاني رتبةٍ من الدلالة اللغوية، وهي صناعةٌ شريفةٌ؛ إِذ إِنَّ الكتابةَ من خواصّ الإنسانِ التي يتميَّزُ بها مِنَ الحيوانِ، وأَيضًا فهي تطَّلِعُ على ما في الضمائرِ، وتتأَدّى بها الأغراضُ إلى البلدِ البعيدِ، فتُقضى الحاجاتُ، وقد دَفَعَتْ مؤونةَ المباشرةِ لَها، ويُطَّلَعُ بها على العلومِ والمعارفِ وصحُفِ الأوَّلين، وما كتبوهُ مِنْ علومِهِم وأخبارِهم؛ فهي شريفةٌ بهذهِ الوجوهِ والمنافعِ، وخروجُها مِنَ الإنسانِ مِنَ القول إِلى الفعلِ، إنما يكون بالتعليمِ».
لكن كيف نظرَ العربُ وحضارتُهم إلى الكتابةِ؟ ليس هناك من يجزمُ بوجودِ تاريخٍ معيّنٍ للبداياتٍ الأولى المرتبطةِ بالكتابةِ العربيةِ، لكن ما يمكن أن يُجمعَ عليه المؤرخون أنَّ الكتابةَ العربية مرّت بعصورٍ مبهمةٍ قبل أن تصلَنا بصورتِها التي تلقّفَها العرب في العصر الجاهلي، ثُمَّ المسلمون من بعدهم. وللمؤرخينَ في نشأةِ الكتابةِ أقوالٌ عديدةٌ: 1) إنّ أوَّلَ من وضع الكتاباتِ كلَّها آدمُ عليه السلام، كتبها في طينٍ، ثمّ طَبَخَهُ (أي حرقَهُ لِيَجِفَّ) قبلَ وفاته بثلاثِمِئَةِ سنةٍ، فلمّا أظلّ الأرضَ الغرقُ، أصابَ كلُّ قومٍ كتاباتِهم. وقيل إنها أُنزلَت على آدمَ عليه السلام في إِحدى وعشرين صحيفةً. وإنَّ مَنْ اعتَدَّ بهذا الرأي رأى أنَّ أمرَ الكتابة المرتبطَ بآدمَ توقيفيٌ، (أي أن الله خلق لآدم علمًا ضروريًا بمعرفة الألفاظ والمعاني، وإن الكتابةَ وُضِعَتْ لحفظِ تلك المعاني، ويصدِّقُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدمَ الأَسْماءَ كُلَّهَا﴾[البقرة: 31]. الذي قيل فيه: إن الله علّم آدم سبعمئة ألف لغة، فلما أكل من الشجرة، سُلبَتْ منه اللغات جميعًا إلا العربيةَ، ولما اصطفاه اللهُ للنبوَّةِ رَدَّ إِليه اللغاتِ جميعًا». فكان من معجزاتِهِ عليه السلام، حديثُه باللغاتِ المختلفةِ جميعًا التي يتحدّثُ بها أولادُه إلى يومِ القيامةِ». 2) إنَّ أولَ من وضعَ الكتابةَ بعدَ آدمَ، إدريسُ عليه السلام، فقد وردَ «أنَّ أول مَنْ خطّ بالقلمِ بعدَ آدمَ، إدريسُ عليه السلام». 3) إنَّ أول من وضع الكتابةَ العربيةَ ثلاثةٌ من طَيِّئ، هم مُرامِر بن مُرّة، وأَسلَمُ بن سِدرَة، وعامر بن جَدْرة، ثم علّموها أهلَ الأنبارِ، فتعلَّمها بشرُ بن عبد الملكِ الكندي صاحبُ دومةِ الجَنْدَل، وخرج إلى مكةَ، فتزوَّجَ الصهباءَ بنتَ حرب بن أميةَ أختَ أبي سفيان، فعلَّم جماعةً من أهلِ مكةَ، لذلك، كثُرَ مَنْ يكتبُ بمكةَ مِنْ قريش. وقد ذكر السيوطي نفرًا كانوا يكتبون قبلَ الإسلامِ، منهم: بشرُ بنُ عبد الملك، وسفيانُ بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأبو قيس بن عبد مناف».
بناءً عليه، فالكتابة من أعظم إنجازات البشرية، بها حُفظ تاريخ البشرية، وبها انتقلت العلوم والمعارف من جيل إلى جيل، فكانت الكتابة بحق، خير بريد يصل الحضارات الإنسانية ببعضها.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...
وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...
كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...
لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...
لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...
بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...
أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...
منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...
أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...
لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...
أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...