


عدد المقالات 374
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». كذلك، كان علي بن أبي طالب من أكثر الصحابة تخلقًا بهذا الخلق، حتى كُرِّم بدعاء خاص يقال بعد ذكر اسمه، هو «كرّم الله وجهه»، وقد خصَّ به لأنه لم ينظر إلى عورة قط، حتى أنه عفا مرةً عن خصمه المبارز، وعدوّه المناجز في معركة أُحد بعد أن اختلطا بالسيوف، وأشرفا على الحتوف. فعندما اصطف الفريقان في أُحد قام طلحة بن عثمان وكان في جيش أبي سفيان حامل لواء الشرك والأوثان، وبدأ يتحدى ويتعدى في المقال، ويسخر من عقيدة المسلمين القتالية، وأن قتلاهم في الجنة، وقتلى أعدائهم في النار، وطلب من المسلمين المبارزة، فقام له الإمام علي كرم الله وجهه، وقال له: «والذي نفسي بيده، لا أُفارِقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار أو تعجلني بسيفك إلى الجنة»، وما هي إلا صولة من فتى الفتيان، وسيد الشجعان حتى ضربه فقطع رجله، فسقط وانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عمّ! فتركه، فكبّر النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي: «ما منعك أن تجهز عليه؟» قال: «إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه».
إن من أجلِّ مزايا المجتمع المسلم «الحياء»، ومن أذلّ مزايا الكفار الفضائح والمكاشفة بالسفور والفجور، فقد بلغت بهم الفواحش كلّ مبلغ، وذهبوا في المجون والخلاعة كل مذهب، وراجت بينهم الدعارة حتى أصبحت ضربًا من التجارة، ثم كسدتْ وبردتْ، وأصبحتْ شيئًا من الماضي، فعمدوا إلى ضروب من الشذوذ والمثلية والابتعاد عن الفطرة السوية. فانظر إلى هؤلاء، أين أوصلهم التبرج والسفور. وفي المقابل، انظر إلى المجتمع المسلم المصون الحيي.
إن الحياء خلة الفطرة السوية، وهو على رأس سلّم الأخلاق الحميدة، احتفى به العرب في الجاهلية، ثم جاء الإسلام ليؤكده، فهذا حاتم الطائي مضرب مثل الكرم وعلو الهمم يقول:
وما ضرّ جارا يا ابنة القوم فاعلمي
يجاورني ألا يكون له سترُ
بعيني عن جارات قومي غشاوة
وفي السمع مني عن حديثهم وقرُ
إن لم يكن لجار حاتم سورٌ أو ستار يحجب الأنظار، فإن الحجاب قائم في أخلاق حاتم، ففي عينيه غشاوة وفي أذنيه صمم عنهم. ومن أدبنا مع الحياء، أن نستر غيرنا، ولا نتتبع العورات، ولا نسعى في نشر المعرّات، قال الإمام الشافعي رحمه الله:
إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى
دينك موفور وعرضـك صيّنُ
فلا ينطقن منك اللسان بسـوأةٍ
فكلك سوءاتٌ وللناس ألسنُ
وعينـك إن أبدت إليك معايبًا
فصنها وقُل يا عين للناس أعينُ
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
ودافع ولكن بالتي هي أحسنُ
وأخيرًا أقول: إن الأخذ بخلق الحياء أخذٌ من الإيمان، وإن التخلق به يقربنا من الله زُلفى، ويزيدنا منه قربًا، فهو سبحانه «الحيي» الذي أمرنا، رجالًا وإناثًا، أن نحرص على هذا الخلق العظيم الذي يحفظ عفتنا وطهارتنا، ويحفظ بيوتنا ومجتمعاتنا، ويقينا من الوقوع في الزلات والمهالك، ويقطع حبائل الشيطان، وسبل الطغيان، ويوصلنا بدرب الحيي الرحمن.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...
قد يظنُّ ظانٌّ أنَّ الغني هو كثير المال والعقار، أو من يمتلك ذهبًا وفضةً ولؤلؤًا. لكن الحقيقة غير ذلك، فإلى أي معنى ينتمي الغنى؟ ومَنْ الغني في عُرف الله وعُرف اللغة والعرب؟ ورد اسم «الغني»...
قالها لي أحدهم يومًا عندما وصلنا في النقاش إلى طريق مسدود، لكن من دون علمي بما يعنيه الصفر في أسفار العلم والأدب، والقيم والأخلاق، فالصفر هو أنت عندما تقرر أن تكون متجددًا، وعندما تريد أن...
كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...
وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...
كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...
لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...
لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...