alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 366

فقه الشكر

19 يوليو 2026 , 11:48م

إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه الشكور في القرآن مرات عديدة؛ نحو قوله تعالى: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 30). وقوله: (إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 34). وقوله: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (الشورى: 23).
وقد أسمى الله سبحانه وتعالى نفسه شكورًا، ليدلّ ذلك على شكره لمن يحسن في حياته الدنيا، وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: (إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 30): إنه غفورٌ لذنُوبهم؛ شَكورٌ لحَسَناتهم. وقال: «إنَّ الله غفورٌ للذُّنوب، شَكورٌ للحَسَنات يُضاعفها».
ولأن الله تعالى فرض على عبيده طاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كان الشكر من قمة أدب الله تعالى مع عبده، وهو كذلك، تفضلٌ منه على عبيده الذين عبدوه رغبة، وتقرّبوا إليه بالطاعات طلبًا لرضاه وابتغاء مرضاته. وقال الخَطابي في معنى «الشَّكور»: هو الذي يَشْكر اليسير من الطاعة، فيُثيبُ عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجَزيل مِنَ النعمة، فيرضى باليسير مِنَ الشكر؛ ويصدُق ذلك قوله سبحانه: (إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 34).
وقد وقف علماء السلف الصالح على معنى الشكور كثيرًا، فقالوا فيها: «شكور للحسنات يضاعفها، شكور على يسير الطاعات، فيثيب عليها جزيل الحسنات»، وقد ورد في صحيح الألباني وصحيح الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تصدَّقَ أحدٌ بصدَقَةٍ منْ طيِّبٍ - ولا يقبَلُ اللهُ إلَّا الطيبَ - إلَّا أخذَها الرحمنُ بيمينِهِ، وإِنْ كانتْ تَمْرَةً، فتربُو في كفِّ الرَّحمنِ حتى تَكونَ أعظمَ مِنَ الجبلِ، كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصيلَهُ». وقالوا: ومن معنى الشكور أنه سبحانه يرغّب الخلق في الطاعة، قلّتْ أو كثرتْ؛ لئلا يستقلوا القليل من العمل، لذا كانت عائشة رضي الله عنها عندما تقرأ فوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 7-8)، تأتي بشطر تمرة وتتصدق به، وتتأوّل الآية، وتقول مثقال ذرّة إذا تمرة خيرًا يره. 
قالوا وإذا أثنى الرب على عبده، فقد شكره، والثناء يكون في الملأ الأعلى كما ورد في حديث ثناء الله على عبده وهو يقرأ الفاتحة. فإذا قالَ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الفاتحة: 2)، قالَ اللهُ تعالى: حمدني عبدي، وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة: 3)، قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قالَ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة: 3)، قالَ: مجَّدني عبدي. فيثني عليه في الملأ الأعلى ربنا سبحانه وتعالى بذلك، وحين تصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - يثني عليك في الملأ الأعلى، فقد ورد في الأثر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «من صلَّى عليَّ واحدةً، صلَّى اللهُ عليه عشرَ صلواتٍ، وحطَّ عنه عشرَ خطيئاتٍ، ورفعَ له عشرَ درجاتٍ».
وما أبدع فهم الغزالي يرحمه الله لقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم} (البقرة: 152)! فقال: «الرب تعالى إذا أثنى على أعمال عباده، فقد أثنى على فعل نفسه؛ لأن أعمالهم من خلقه، فإن كان الذي أعطى فأثنى شكور، فالذي أعطى وأثنى على المعطي هو أحقُّ بأن يكون الشكور». وقد مر أحد الصالحين على قارئٍ يقرأ قول الله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (ص: 30)، فقال: «سبحان الله يعطي ويثني!»، وخلاصة المعنى «أنّ الأعمال أصلاً من الله». فنسأله تعالى أن نكون دومًا ممن يشكر الله تعالى على نعمائه، وممن يتيقَّن بقوله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، فننعم بعطاء الله وفضله أبدًا ما دمنا شكورين، معترفين بفضله علينا.

 

 @zainabalmahmoud
 @zalmahmoud@outlook.com

أَميرُ الإِنسانِيَّةِ... وَداعًا

وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...

الفلَك في حضارة الإسلام

كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...

حضارة قُرطبة

لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...

أسرار الحكيم

لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...

الرياضيات حضارة وإسلاماً

بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...

التواصل سرّ الوجود

أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...

قبس من العباقرة

منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...

اسم الله الأعظم

أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...

جلال الذات الإلهية

لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...

الجغرافيا حقًّا وحقيقة

أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...

جميل يحب الجمال

إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...

الرفق بالحيوان

في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...