


عدد المقالات 356
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم الحجة، وتنبلج عنهم المحجة، فالمتعظ يلتقط حكمة الحليم، فيبادر إلى التزام أوامره واجتناب نواهيه، والسفيه صاحب العقل العقيم والتفكير السقيم يظن أنه في منأى عن أخذ العزيز المقتدر، فيتمادى في طغيانه ويستغرق في نسيانه. ويصدق ذلك قول الله الحليم: (وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفورٌ حَلِيمٌ)، فالله يضع عباده على برهان وبيان، فينبههم إلى أنّه يعلم دواخل النفوس، وما توسوس وتلبّس، ثمّ يحذِّرهم من الانقياد لها، وألا يتوهموا أنّ أسرارهم في عتمة وظلمة لا يمكن كشفها، فالله بها عليم، ولكنه غفور حليم، لا يستعجل البطش والنكال، بل يُنظِر العبد ليعود عن الغي والضلال. ويقول الله الحليم أيضًا: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهونَ تَسْبِيْحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا)، فسبحان الله الحليم، الذي تسبح له السبع الطرائق، والأرض وما فيها من خلائق، ثم ينبري للكفر كثير من الأشقياء من أبناء آدم وهم المرفوعون على كل ما خلق، ولكنهم منحطون بالكفر والجحود والإلحاد إلى ما دون عوالم الحيوان، بل الجماد، لأن الجماد يسبّح، ولكن لا نعي طريقة تسبيحه وذكره، أخفاها الحليم الغفور الذي يتجاوز عن الآثام والشرور وعظائم الأمور، دأبه في خَلقه الإمهال، ودأبهم الغفلة والإهمال. إن إدراكنا معنى اسم الله الحليم وإيماننا به يفرض علينا أن نقدره حق قدره، وأن نعلم أن عظيم حلمِه صادر عن سعة علمِه، ومرتهن بحكمته ونابع من رحمته، فهو كليّ القدرة، مطلق الغنى، فحين يحلم عن أصحاب المعاصي والخنا، وعن المجاهرين بالفسق والتيه والشرود والمتجاوزين للحدود، فإنه على البطش بهم قادر، وما لهم من دونه من ولي ولا ناصر، ولكنه سبحانه شاء أن يخلق الإنسان طائرًا في فضاء الحرية، ولم يشأ أن يقهره بالعبودية، فمن مقتضى هذه الحرية أن يطلق عنان الإنسان ليبلو أعماله ويختبر حاله، فتقوم عليه البيّنة مما جناه وقدَّمت يداه، فيقول جلَّ جلاله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهَ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلِكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى فَإِذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمونَ) يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسير هذه الآية الجليلة، إن الخطاب كان قبل هذه الآية للكفار من قريش ومكة، وأن الظلم المذكور هو الظلم الأعظم والأظلم، وهو الشرك بالله الذي كان عامًّا طامًّا، فلو كان الله في الدنيا سريع العقاب، وعجول الحساب، لأفنى الخليقة وطوى بساطها بسبب الظلم الذي أحاطها، ولم يترك حتى البهائم الرتّع والأطفال الرضع، وذلك لأن الخليقة بجنّها وإنسها موجودة على شرط العبادة، فإذا انتفى الشرط، انتفى سبب الوجود، ولكن الحليم الودود يمد حبل رحمته ونعمته، ولا يعجل بسخطه ونقمته. فحري بنا أن نقف عند حدود الله، وأن نعي حلمه سبحانه وتعالى، وأن نحمده على هذه الصفة العظيمة التي تمنحنا فرصة التوبة والأوبة إلى رحاب الله ورحمته وعفوه. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com
أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...
إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...
اسم الله الحميد، اسم عظيم، تلهج به الألسنة في الغدو والإبكار، ويتسيَّدُ التسابيح والأَذكار، وإذا كان قوله تعالى «اِقْرَأ» هو الكلمة الأولى وحيًا وتنزيلًا، فإنَّ كلمة «الحمد» هي الأولى تلاوةً وترتيلًا، فنحن على موعد لا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأة شاهدة على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعة أحداثها، ورافعة عمادها، بمشاركة الرجل، وهي سر الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدت نصفه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...