


عدد المقالات 368
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم الحجة، وتنبلج عنهم المحجة، فالمتعظ يلتقط حكمة الحليم، فيبادر إلى التزام أوامره واجتناب نواهيه، والسفيه صاحب العقل العقيم والتفكير السقيم يظن أنه في منأى عن أخذ العزيز المقتدر، فيتمادى في طغيانه ويستغرق في نسيانه.
ويصدق ذلك قول الله الحليم: (وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفورٌ حَلِيمٌ)، فالله يضع عباده على برهان وبيان، فينبههم إلى أنّه يعلم دواخل النفوس، وما توسوس وتلبّس، ثمّ يحذِّرهم من الانقياد لها، وألا يتوهموا أنّ أسرارهم في عتمة وظلمة لا يمكن كشفها، فالله بها عليم، ولكنه غفور حليم، لا يستعجل البطش والنكال، بل يُنظِر العبد ليعود عن الغي والضلال.
ويقول الله الحليم أيضًا: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهونَ تَسْبِيْحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا)، فسبحان الله الحليم، الذي تسبح له السبع الطرائق، والأرض وما فيها من خلائق، ثم ينبري للكفر كثير من الأشقياء من أبناء آدم وهم المرفوعون على كل ما خلق، ولكنهم منحطون بالكفر والجحود والإلحاد إلى ما دون عوالم الحيوان، بل الجماد، لأن الجماد يسبّح، ولكن لا نعي طريقة تسبيحه وذكره، أخفاها الحليم الغفور الذي يتجاوز عن الآثام والشرور وعظائم الأمور، دأبه في خَلقه الإمهال، ودأبهم الغفلة والإهمال.
إن إدراكنا معنى اسم الله الحليم وإيماننا به يفرض علينا أن نقدره حق قدره، وأن نعلم أن عظيم حلمِه صادر عن سعة علمِه، ومرتهن بحكمته ونابع من رحمته، فهو كليّ القدرة، مطلق الغنى، فحين يحلم عن أصحاب المعاصي والخنا، وعن المجاهرين بالفسق والتيه والشرود والمتجاوزين للحدود، فإنه على البطش بهم قادر، وما لهم من دونه من ولي ولا ناصر، ولكنه سبحانه شاء أن يخلق الإنسان طائرًا في فضاء الحرية، ولم يشأ أن يقهره بالعبودية، فمن مقتضى هذه الحرية أن يطلق عنان الإنسان ليبلو أعماله ويختبر حاله، فتقوم عليه البيّنة مما جناه وقدَّمت يداه، فيقول جلَّ جلاله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهَ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلِكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى فَإِذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً
وَلَا يَسْتَقْدِمونَ) يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسير هذه الآية الجليلة، إن الخطاب كان قبل هذه الآية للكفار من قريش ومكة، وأن الظلم المذكور هو الظلم الأعظم والأظلم، وهو الشرك بالله الذي كان عامًّا طامًّا، فلو كان الله في الدنيا سريع العقاب، وعجول الحساب، لأفنى الخليقة وطوى بساطها بسبب الظلم الذي أحاطها، ولم يترك حتى البهائم الرتّع والأطفال الرضع، وذلك لأن الخليقة بجنّها وإنسها موجودة على شرط العبادة، فإذا انتفى الشرط، انتفى سبب الوجود، ولكن الحليم الودود يمد حبل رحمته ونعمته، ولا يعجل بسخطه ونقمته.
فحري بنا أن نقف عند حدود الله، وأن نعي حلمه سبحانه وتعالى، وأن نحمده على هذه الصفة العظيمة التي تمنحنا فرصة التوبة والأوبة إلى رحاب الله ورحمته وعفوه.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
قالها لي أحدهم يومًا عندما وصلنا في النقاش إلى طريق مسدود، لكن من دون علمي بما يعنيه الصفر في أسفار العلم والأدب، والقيم والأخلاق، فالصفر هو أنت عندما تقرر أن تكون متجددًا، وعندما تريد أن...
كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...
وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...
كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...
لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...
لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...
بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...
أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...
منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...
أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...
لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...