alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 369

الرفق بالحيوان

26 أبريل 2026 , 10:23م

في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه حضارة من قبلها، ولا أمةٌ مِن بعدها حتى عصرنا الراهن، ثوبٍ قوامُه الرحمة والشعور الإنساني المرهف.
فعالم الحيوان هو عالم يشبه عالم الإنسان، له خصائصه وطباعه، فقال جلّ وعلا: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38].
ونصَّ القرآن أيضًا على تكريم الحيوان، وبيان مكانته وأهمِّيَّته، وتحديد موقعه إلى جانب الإنسان، قال تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 5-8].
وقد بيّن الإمام القرطبي في تفسير هذه الآيات الكريمات؛ أنَّ الحيوانَ شديدُ الارتباط بالإنسان، وثيقُ الصلة به، قريبُ الموقع منه. ومِن هنا كان للحيوان على الإنسان حرمةٌ وذمامٌ. وقال عليه السلام في ذلك: «الراحمون يرحمُهم الرَّحمن، ارحموا مَنْ في الأرضِ، يرحمْكم مَنْ في السماء»، وقوله أيضًا: «مَن أُعْطيَ حظَّهُ منَ الرِّفقِ فقد أُعْطيَ حظَّهُ منَ الخيرِ، ومن حُرمَ حظَّهُ منَ الرِّفقِ فقد حُرِمَ حظَّهُ منَ الخيرِ».
وعلى النقيض من ذلك، فإن البطش بالحيوان وتعذيبَه والقسوةَ عليه تدخل صاحبها النار، لقوله عليه السلام: «دخلتِ امرأةٌ النارَ في هرَّة، ربطتْها فلم تطعمْها، ولم تدعْها تأكلُ مِن خَشاش الأرض». وإن الشريعة الغرّاء شرّعت قوانينَ وتشريعاتٍ تدعو إلى الرفق بالحيوان، ونبذِ كلّ ما يسيء إليه، أو يؤذيه.
ما أروعَ الإسلام، وما أروعَ ما جاءت به الحضارة الإسلامية من رفق ورحمة. وأختم بقول عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه في عظمة الرفق بالحيوان: «كنا مع رسول الله في سَفَر، فرأينا حُمَّرةً، أي: طير يشبه العصفور، معها فرخان لها، فأخذناهما فجاءت الحُمَّرة تُعرِّش، أي: ترفرف بجناحيها، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها». ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: «مَن أحرق هذه؟»، قلنا: نحن، قال: «إنه لا ينبغي أن يُعذِّب بالنار إلاَّ ربُّ النار».

 

 @zainabalmahmoud
 @zalmahmoud@outlook.com

وَهْمُ الغِنَى وَحَقِيقَتُهُ

قد يظنُّ ظانٌّ أنَّ الغني هو كثير المال والعقار، أو من يمتلك ذهبًا وفضةً ولؤلؤًا. لكن الحقيقة غير ذلك، فإلى أي معنى ينتمي الغنى؟ ومَنْ الغني في عُرف الله وعُرف اللغة والعرب؟ ورد اسم «الغني»...

( أنت صفر )

قالها لي أحدهم يومًا عندما وصلنا في النقاش إلى طريق مسدود، لكن من دون علمي بما يعنيه الصفر في أسفار العلم والأدب، والقيم والأخلاق، فالصفر هو أنت عندما تقرر أن تكون متجددًا، وعندما تريد أن...

عالم الطب في حضارتنا

كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...

فقه الشكر

إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...

أَميرُ الإِنسانِيَّةِ... وَداعًا

وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...

الفلَك في حضارة الإسلام

كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...

حضارة قُرطبة

لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...

أسرار الحكيم

لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...

الرياضيات حضارة وإسلاماً

بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...

التواصل سرّ الوجود

أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...

قبس من العباقرة

منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...

اسم الله الأعظم

أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...