


عدد المقالات 1
تولي دولة قطر اهتمامًا كبيرًا بكبار القدر، وتقدم لهم العديد من أوجه الرعاية والدعم والخدمات التي تعكس حرصها على توفير الحياة الكريمة لهم، وحفظ حقوقهم، وتقدير مكانتهم في المجتمع. وقد أصبحت رعاية هذه الفئة جزءًا مهمًا من منظومة العمل الاجتماعي والإنساني، بما يؤكد أن الإنسان يبقى محورًا أساسيًا في مسيرة التنمية.
ومع التطور الكبير الذي تشهده الدولة في مجال الخدمات الحكومية والتحول الرقمي، أصبحت معظم المعاملات والخدمات أكثر سرعة وتنظيمًا، وأصبح بإمكان المراجع إنجاز الكثير من معاملاته من خلال التطبيقات والمنصات الإلكترونية دون الحاجة إلى زيارة مقر الجهة الحكومية.
وهذا التطور يمثل نقلة مهمة في مستوى الخدمات، إلا أن احتياجات المراجعين تختلف باختلاف أعمارهم وقدراتهم وخبراتهم في استخدام التقنية. ولذلك فإن كبار القدر قد يستفيدون أكثر من وجود خيارات إضافية تساعدهم على إنجاز معاملاتهم بسهولة ويسر، خاصة أن كثيرًا منهم ليست لديهم الخبرة الكافية في استخدام التطبيقات والمنصات الإلكترونية، أو قد يحتاجون إلى مساعدة بسيطة في بعض الخطوات.
ومن هنا تأتي أهمية مواصلة تطوير الخدمات الحكومية بما يتناسب مع احتياجات هذه الفئات، ليس باعتبار ذلك معالجة لقصور، وإنما استكمالًا لمسيرة الدولة في تقديم أفضل الخدمات وأكثرها إنسانية.
وقد يكون من المفيد أن تتضمن الجهات الحكومية على سبيل المثال لا الحصر مسارات ميسرة وواضحة لكبار القدر بحيث يجد المراجع عند حضوره إلى المؤسسة من يساعده في إتمام الإجراءات المطلوبة، أو يوجهه إلى الخطوات الصحيحة، مع إعطائه الأولوية المناسبة في الانتظار والمواعيد، وتوفير بيئة مريحة تتناسب مع احتياجاته.
كما يمكن التوسع في إتاحة إنجاز بعض المعاملات بواسطة الأبناء أو الأقارب أو من ينوب عن المراجع، وفق ضوابط رسمية تحافظ على الخصوصية والأمان، خاصة في المعاملات التي لا تتطلب حضور الشخص بنفسه.
ومن المهم كذلك أن تراعي الأنظمة واللوائح الحكومية هذه الفئات عند تحديث الإجراءات أو إطلاق خدمات إلكترونية جديدة، بحيث تتوافر لها خيارات متعددة لإنجاز الخدمة؛ فالمواطن الذي يجيد استخدام التقنية يمكنه إنجاز معاملته إلكترونيًا، ومن يحتاج إلى المساعدة يمكن أن يحصل عليها من خلال موظف مختص، أو من خلال مسار حضوري مبسط.
فالتحول الرقمي لا يعني بالضرورة أن تكون الوسيلة واحدة للجميع، وإنما أن تكون الخدمة متاحة للجميع بالطريقة التي تناسب قدراتهم واحتياجاتهم.
كما أن دور الموظف في هذه المنظومة يظل مهمًا جدًا. فمهما تطورت التطبيقات والمنصات، يبقى التعامل الإنساني جزءًا أساسيًا من جودة الخدمة. وكبير القدر الذي يراجع مؤسسة حكومية لإنجاز معاملته يحتاج إلى موظف يتعامل معه بصبر واحترام، ويشرح له الإجراءات بطريقة واضحة، ويساعده عند الحاجة. فهو يحتاج إلى خدمة تراعي احتياجاته وتمنحه الاستقلالية والاحترام والخصوصية.
ومن الجميل أن تصبح خدمة هذه الفئات ثقافة مؤسسية لا تقتصر على جهة معينة، بحيث يشعر كبير القدر أو الشخص منذ لحظة دخوله إلى المؤسسة بأن هناك اهتمامًا خاصًا بتيسير معاملته، وتوجيهه، ومساعدته، وإنجاز طلبه بأيسر الطرق.
ويمكن كذلك أن تكون هناك مراجعة دورية لبعض الإجراءات والاشتراطات الحكومية، بهدف التعرف على الخطوات التي يمكن تبسيطها أو اختصارها لهذه الفئات، خاصة في المعاملات المتكررة التي تحتاج إلى مراجعة أكثر من جهة أو تتطلب استخدام أكثر من منصة إلكترونية.
إن مثل هذه التسهيلات لا تنتقص من قيمة الأنظمة والقوانين، بل تجعل تطبيقها أكثر مرونة وإنسانية، وتؤكد أن القانون والخدمة الحكومية وُجدا لخدمة الإنسان وتيسير شؤونه.
كما أن إشراك كبار القدر وأسرهم في تقديم الملاحظات والمقترحات حول الخدمات يمكن أن يكون له أثر كبير في تطويرها؛ فهم الأقدر على وصف احتياجاتهم، وتحديد الإجراءات التي يمكن أن تصبح أكثر سهولة ووضوحًا.
رسالة تقدير ووفاء، إن الاهتمام بكبار القدر ليس مجرد تقديم خدمة، بل هو رسالة تقدير ووفاء لفئة عزيزة على المجتمع.
فهم يمثلون خبرة السنين وذاكرة المجتمع، وقد قدم الكثير منهم سنوات طويلة من العطاء والعمل وبناء الأسرة والمجتمع. وكانوا ولا زالوا جزءا أصيلا وفاعلا من المجتمع، ولهم إسهاماتهم وقدراتهم وطموحاتهم التي تستحق الدعم والتمكين.
لقد قطعت الدولة خطوات كبيرة في مجال رعاية هذه الفئات وتقديم الخدمات والدعم لهم، والطموح دائمًا أن تتواصل هذه المسيرة مع التطور المتسارع في الخدمات الحكومية والتقنية، بحيث يصبح التيسير جزءًا أصيلًا من تصميم الخدمة منذ بدايتها.
وفي النهاية، فإن جودة الخدمة الحكومية لا تقاس فقط بسرعة إنجاز المعاملة، وإنما أيضًا بمدى سهولة الوصول إليها، ووضوح إجراءاتها، وملاءمتها لمختلف فئات المجتمع.
فحين يدخل كبير السن أو الشخص من ذوي الإعاقة إلى أي مؤسسة لإنجاز معاملة، فإن أجمل ما يمكن أن يجده هو خدمة ميسرة، وموظف متعاون، وإجراء واضح، وشعور صادق …