alsharq

محمد يوسف العركي

عدد المقالات 24

محمد يوسف العركي 03 أكتوبر 2026
الفن الفارغ «Vacant Art»
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 أكتوبر 2026
قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة
خالد محمد مفتاح 03 أكتوبر 2026
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعلم
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 04 أكتوبر 2026
الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

الفن الفارغ «Vacant Art»

03 أكتوبر 2026 , 10:48م

قد يبدو للقارئ أن هذا العنوان صادم بعض الشيء، لكن الحقيقة تشير إلى وجود ظاهرة ليست حديثة تحمل هذا الاسم. ولربما صادفت، وأنت تطالع بعض المقاطع المصورة، شخصاً في معرض أو ساحة عامة أحضر عددًا من الزجاجات وأخذ يحطمها، فيتناثر الزجاج بصورة عشوائية وسط جمهور يصفق لهذا المشهد.
وقد تتساءل حينها، وربما تتهم نفسك بعدم استيعاب ما يجري. وهنا تكمن المفارقة؛ فإذا سألت عن المعنى قيل لك إنك أسير للمفاهيم القديمة، وإذا طالبت بتفسير قيل لك إن الأزمة في المتلقي لا في العمل، وإذا أبديت شكوكك اتُّهمت بأنك تقف في مواجهة روح العصر.
والفن الفارغ «Vacant Art» لا يُقصد به إصدار حكم أخلاقي أو إقصائي، ولا نفي مشروعية التجريب أو الاختلاف، فهو ليس مدرسة فنية محددة، بل حالة ثقافية يتقدم فيها الشكل على الفكرة، والضجيج على الدلالة، والانتشار على الأثر. إنه الفن الذي ينجح في جذب الأنظار، لكنه لا ينجح بالضرورة في البقاء داخل الذاكرة.
وليس هذا الجدل جديداً فمنذ أن هزّ مارسيل دوشامب المفهوم التقليدي للفن بعمله «النافورة»، مروراً بالدادائية والتجريدية، وصولاً إلى الفن المفاهيمي مع جوزيف كوسوث وفن البوب مع آندي وارهول، ظل الفن يعيد تعريف حدوده ومعاييره. وقد أسهمت هذه التحولات في تحرير الإبداع وتوسيع آفاقه، غير أن الإشكال يبدأ حين يصبح التجريب غاية في ذاته ويتراجع سؤال المعنى إلى الهامش.
ولم يكن العالم العربي بعيدًا عن هذا السجال وإن لم يتسم بالاسم نفسه دائماً؛ إذ دافع أدونيس والحداثيون عن تجاوز المألوف وابتكار صيغ جديدة للتعبير، فيما دعا عبد الله الغذامي إلى مراجعة المسلمات الجمالية. وفي المقابل، حذر زكي نجيب محمود من الغموض المنفصل عن التواصل، ورأى جابر عصفور أن التجديد لا يكتسب شرعيته من القطيعة مع الجمهور، بينما ربط إدوارد سعيد القيمة الثقافية بقدرتها على تعميق الوعي وإثراء التجربة الإنسانية.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة عزيزي القارئ أنها لا تقدم نفسها باعتبارها فراغاً، بل باعتبارها تحرراً غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول المغامرة إلى غاية، والغموض إلى قيمة قائمة بذاتها، والاستفزاز إلى معيار للتفوق.
ليأتي زمن الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث أخذ هذا الجدل منحى جديداً. فلم يعد العمل الفني يُقاس دائماً بما يضيفه إلى الوعي، بل بقدرته على جذب الانتباه. وهكذا أصبحت الصدمة أكثر رواجاً من الفكرة، والاستفزاز أسرع طريق إلى الشهرة من التأمل.
ففي الماضي كان السؤال المطروح أمام العمل الفني: ماذا يريد أن يقول؟ أما اليوم فيبدو أن السؤال تغيّر إلى: كم شخصاً شاهده؟ وكم مرة جرى تداوله؟ وكم جدلاً أثاره؟
كما أن أخطر تجليات الفن الفارغ في المرحلة الراهنة أنه لم يعد يعيش داخل قاعات العرض وحدها، بل وجد بيئته المثالية في عصر المنصات الرقمية واقتصاد الانتباه. فالقيمة لم تعد تُقاس بما يحمله العمل من معنى أو رؤية، بقدر ما تُقاس بقدرته على إثارة الجدل وحصد المشاهدات وصناعة الضجة.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هذا النوع من الفن، بل في تحوله إلى نموذج سائد؛ إذ يسهم في تشويه الذائقة الجمالية العامة، وتحويل الفن إلى حدث عابر بلا ذاكرة، وإعادة إنتاج الهيمنة المؤسسية، وتفكيك العلاقة بين الإنسان والفن، وشرعنة الرداءة باسم التجريب.
منطق:
(ليست أزمة الفن الفارغ أنه بلا معنى، بل إنه يقنعنا بأن المعنى لم يعد ضروريًا. وتلك بداية أزمة الثقافة كلها). 

 

Email: arakidoha@yahoo.com

جيوسياسية الجمال: حين تصبح الصورة حدودًا للدولة

لطالما عُرّفت الجيوسياسية بوصفها العلم الذي يدرس تأثير الجغرافيا—بجبالها ومضائقها ومواردها - على سلوك الدولة وتوازنات القوة. في هذا التصور التقليدي، كانت السيادة تُنتزع بالسيطرة على المكان، وتُرسم الحدود بالدم وتُصان بالقوة الصلبة، ضمن منطقٍ...

حين تختار الحضارات.. لماذا تشير البوصلة إلى قطر؟

حينما تقرأ أو تسمع عبارة «ضيف شرف» فهذا يعني أن المقصود- دولةً كان أم شخصية- يحمل مكانة تجعل أهل الدار يفتحون له أبواب الفعالية بمفاتيح التكريم. وفي الفعاليات الرسمية بين الدول، فإن هذا اللقب لا...

ضبط البوصلة: الدراسات الثقافية وتحولات المجتمع

في حركة سيرنا الحياتي المعتاد كم مرّة تجاهلنا إشارات صغيرة كانت تقول لنا إن شيئًا كبيرًا قادم؟ هذه ليست صدفة، بل أزمة قراءة في واقعنا العربي. فالمعاني لا تأتي دائمًا في وضوح الشمس؛ أحيانًا تختبئ...

بين الوعي والـ «Trend».. معضلة المثقف العضوي

قبل الدخول في ثنايا المقال، لابد من التفريق بدايةً بين المثقف والمثقف العضوي، فالمثقف هو الفرد الذي يمتلك معرفة واسعة ويشارك في إنتاج الأفكار وتحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية غالباً من موقع مستقل أو منصة أكاديمية....

قياس الثقافة... من الإنجاز إلى سؤال الأثر

لا يختلف اثنان على أن مؤشرات القياس هي لغة التخطيط الحديث فهي تمنحنا القدرة على قراءة الواقع واتخاذ القرار. وفي عالمٍ يلهث خلف الأرقام والمؤشرات السريعة، يبرز السؤال المهم: هل تستطيع أدوات القياس المعتادة أن...

معجم الدوحة.. ذاكرة اللغة في زمن الاستشراف

منذ أن علّم الله عز وجل آدم عليه السلام الأسماء كلها، لم تنقطع اللغة عن الوجود، بل تطورت مع تطور الحضارة الإنسانية، فكانت الوعاء الذي حفظ التاريخ والفكر. كل حضارة دوّنت أثرها عبر لغتها، حتى...

القيم الأخلاقية في النشيد الوطني القطري

السلام الوطني أو النشيد الوطني ليس مجرد لحن يُعزف في المناسبات الرسمية للدول، بل هو نصٌ تأسيسي يعبر عن الهوية الوطنية، ويحمل بين سطور كلماته القيم التي تشكّل وجدان المجتمع وروحه. ويبرز السلام الأميري القطري...

الأنساق الثقافية في البطولة العربية

من يتأمل الدوحة هذه الأيام يدرك أن المدن ليست مجرد عمران، بل ذاكرة نابضة تحتفل بالمعنى قبل المظهر. فما إن أسدل الستار على بطولة كأس العالم للناشئين تحت سن 17 سنة حتى انتقلت الرزنامة إلى...

التربية بين الثوابت والتحديات.. قراءة في قرار وزيرة التعليم

في زمن تتزاحم فيه التحديات على الأمم والشعوب تظل قضية التربية هي العماد والأساس فالتنشئة للأجيال مسؤولية الجميع، الاسرة والمجتمع والدولة. وحتى تقوم التربية على بناء راسخ لابد لها من عماد متين وخير زاد هو...

«الهندسة الثقافية في سوق عكاظ»: نظرة عميقة في إرثنا وحاضرنا

صدر مؤخرًا عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع كتاب «الهندسة الثقافية في سوق عكاظ»، وهو أحد ثلاثة إصدارات قيّمة للخبير الثقافي والإعلامي القطري المهندس خالد عبد الرحيم السيد، تم تدشين هذه الثلاثية في الصالون الثقافي...

مقاربات تأصيلية في فن الخط العربي

من أهم معايير استدامة الحضارات عبر التاريخ رسوخ القيم الأخلاقية في بنيانها، وهذه القيم تتجلى في مظاهر مادية ومعنوية، من بينها النقوش والرموز التي تخلد المعاني. غير أن الحضارة الإسلامية تفرّدت بشاهد حضاري فريد هو...

الاستدامة الثقافية.. الثابت والمتغير

رغم أن مفهوم الاستدامة قد يبدو حديثًا للبعض، إلا أن جذوره تعود إلى عقود مضت، حيث بدأ يبرز بوضوح في سبعينيات القرن العشرين، بعد أن ارتبط بقضية التنمية. وقد حظي باهتمام خاص في تقرير «حدود...