

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء مساحة مشتركة من المعرفة والثقافة والأفكار؛ مساحة يصبح فيها كل مجتمع قادرًا على أن يرى الآخر بعيدًا عن الصور النمطية، وأن يفهمه من خلال أدبه وفنه وأسئلته الفكرية وتجربته التاريخية.
لذلك وفي إطار تعزيز التعاون الثقافي والمعرفي بين قطر وفرنسا، وقّع مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية والمعهد الفرنسي في قطر مذكرة تفاهم تهدف إلى توسيع آفاق التعاون بين الجانبين في مجالات البحث والحوار الفكري والتبادل الثقافي والمعرفي، وتعزيز جسور التواصل بين الباحثين والأوساط الأكاديمية والفكرية والثقافية في البلدين والمنطقة.
ولا تكمن أهمية مثل هذه الخطوة في الاتفاق المؤسسي في حد ذاته، بقدر ما تكمن في الفكرة التي تقف خلفه: أن العلاقات القطرية–الفرنسية يمكن أن تتجاوز السياسة والاقتصاد إلى فضاء أرحب، تصبح فيه المعرفة والثقافة والأدب والحوار الفكري جزءًا من البنية الاستراتيجية للعلاقة بين البلدين.فالعلاقة بين الدوحة وباريس ليست جديدة أو عابرة. لقد تراكمت على مدى عقود، وانتقلت من الدبلوماسية والعلاقات السياسية إلى الأمن والدفاع والطاقة والاستثمار، ثم اتسعت تدريجيًا لتشمل التعليم والثقافة والفنون. وهي اليوم تملك من العمق المؤسسي والثقة المتبادلة ما يسمح لها بالانتقال إلى سؤال مختلف: ليس فقط ماذا يمكن لقطر وفرنسا أن تنجزا معًا سياسيًا واقتصاديًا، وإنما ماذا يمكن لهما أن تنتجا معًا فكريًا وثقافيًا ومعرفيًا؟ وهنا ربما تكمن إحدى أهم فرص المرحلة المقبلة، في أن يتحول التعاون إلى مشروع مؤسسي طويل المدى لإنتاج المعرفة والحوار بين العالم العربي وأوروبا.
ما بعد الدبلوماسية التقليدية
لقد ظل مفهوم القوة في العلاقات الدولية طويلًا مرتبطًا بالاقتصاد، والجغرافيا، والأمن، والدفاع. لكن العالم المعاصر أثبت أن هناك نوعًا آخر من القوة لا يقل تأثيرًا: القدرة على إنتاج الأفكار، وصياغة المفاهيم، وتشكيل النقاشات العامة، وبناء الجسور بين المجتمعات.
وفرنسا تملك في هذا المجال إرثًا استثنائيًا. فمن الفلسفة والآداب إلى العلوم الاجتماعية والفنون، لم تكن فرنسا مجرد دولة أوروبية كبرى، بل كانت، على امتداد قرون، أحد المختبرات الأساسية للأفكار التي أعادت تشكيل مفاهيم الدولة والمجتمع والحرية، والحداثة، والهوية والإنسان.
وفي المقابل، تشهد قطر خلال العقود الأخيرة مشروعًا واسعًا لبناء مؤسسات ثقافية وتعليمية وبحثية، من الجامعات والمتاحف والمكتبات إلى مراكز الأبحاث ومنصات الحوار الدولي. وهنا توجد مساحة طبيعية للقاء. لكن التحدي هو ألا يبقى هذا اللقاء موسميًا أو بروتوكوليًا، بل أن يتحول إلى مشروع مؤسسي طويل المدى لإنتاج المعرفة والحوار بين العالم العربي وأوروبا.الإشكالية في أن كثيرا من أشكال الدبلوماسية الثقافية أنها تختزل الثقافة في المعارض والمهرجانات والاحتفالات والفعاليات الموسمية. يأتي فنان، أو يفتتح معرضا، أو تقام أمسية أدبية، ثم ينتهي الحدث وتعود المؤسسات إلى مساراتها المنفصلة.
لكن الثقافة الحقيقية أعمق من ذلك. الثقافة ليست مجرد شيء نعرضه للآخر، وإنما الطريقة التي نفهم بها أنفسنا ونفهم بها الآخر.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة من العلاقات القطرية–الفرنسية تحتاج إلى الانتقال من تبادل الفعاليات إلى بناء بنية تحتية للحوار الفكري والثقافي؛ من اللقاء المؤقت إلى العلاقة المستدامة، ومن استضافة الأفكار إلى إنتاجها بصورة مشتركة.ويمكن أن يحدث ذلك عبر برامج تجمع الكتاب والمفكرين والفنانين والباحثين من الجانبين، ومن خلال منتديات فكرية دورية تبحث القضايا الكبرى التي تواجه العالم اليوم: الهوية، والهجرة، والدين، والذكاء الاصطناعي، وتحولات المجتمع، ومستقبل المدن، والمواطنة، ومفهوم الدولة، والتحولات الجيوسياسية، والعلاقة بين الشرق والغرب.
الأدب و الترجمة.. حيث يبدأ اكتشاف الآخر
هناك مجال واسع ربما ما يزال أقل استثمارًا من إمكاناته الحقيقية: الأدب والترجمة، الدبلوماسية تعرف الدول بعضها ببعض، لكن الأدب وفنونه المرتبط به يعرف الإنسان بالإنسان.
وربما تكون الترجمة للأدب والكتب إحدى أهم الأدوات التي يمكن أن تمنح هذا التعاون عمقًا حقيقيًا. لقد عرف العالم العربي فرنسا، إلى حد بعيد، من خلال كتبها. عرف روسو وفولتير وبلزاك وهوغو وسارتر وكامو، ثم فوكو ودريدا وبورديو وغيرهم. وأسهمت الترجمة من الفرنسية بصورة عميقة في تشكيل قطاعات واسعة من الفكر العربي الحديث والمعاصر.
لكن السؤال المقابل يستحق أن يُطرح: كم تعرف المكتبة الفرنسية عن الفكر والأدب الخليجي والعربي المعاصر؟ هنا ما زالت هناك فجوة واسعة. ومن ثم يمكن التفكير في مشروع قطري–فرنسي مستدام للترجمة في الاتجاهين، لا يقتصر على الأعمال الكلاسيكية أو الكتب الأكاديمية، بل يشمل الرواية والشعر والمسرح والفكر والدراسات الاجتماعية والإنسانية.
فالترجمة ليست نقل كلمات من لغة إلى أخرى؛ إنها نقل تجربة إنسانية من عالم إلى عالم. الرواية تستطيع أحيانًا أن تشرح مجتمعًا كاملًا بصورة تعجز عنها عشرات التقارير السياسية. والشعر يكشف الإنسان الذي لا يظهر في البيانات الرسمية. والمسرح يفتح الأسئلة التي تتحاشاها الدبلوماسية. وعندما يقرأ الفرنسي رواية قطرية أو خليجية، أو يقرأ العربي عملًا أدبيًا فرنسيًا معاصرًا، فإن العلاقة بين المجتمعين تنتقل من مستوى المعرفة بالآخر إلى مستوى الإحساس بتجربته الإنسانية. من تبادل المعرفة إلى إنتاجها أما المجال الأكثر أهمية على المدى الطويل فهو البحث والفكر. فالعلاقات الثقافية لا تكتمل من دون أن تتحول إلى عملية مشتركة لإنتاج المعرفة. هناك اليوم مؤسسات بحثية وأكاديمية مهمة في الدوحة وباريس، لكن الفرصة تكمن في ربطها بصورة أكثر انتظامًا، بحيث تنتقل العلاقة من المؤتمرات المتفرقة إلى برامج بحث مشتركة وممتدة. هناك عشرات الأسئلة التي يحتاج الطرفان إلى التفكير فيها معًا: كيف يتغير النظام الدولي؟ كيف تتعامل أوروبا والعالم العربي مع صعود قوى دولية جديدة؟ ما مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ كيف سيغير الذكاء الاصطناعي التعليم والعمل والثقافة؟ وكيف تستطيع المجتمعات الحفاظ على هويتها في عالم شديد الاتصال وسريع التحول؟ هذه ليست أسئلة فرنسية وحدها، ولا عربية وحدها. إنها أسئلة العصر.
شراكة بناء المساحات المشتركة
في زمن تتزايد فيه الحروب والانقسامات وسوء الفهم بين المجتمعات، لم تعد الثقافة ترفًا في العلاقات الدولية. بل يمكن القول إنها أصبحت جزءًا من الأمن نفسه. فكثير من الصراعات تبدأ قبل إطلاق الرصاصة، عندما يتحول الآخر في الوعي العام إلى صورة مبسطة أو مشوهة، وعندما يحل التصنيف محل المعرفة، والخوف محل الفضول، والأيديولوجيا محل الإنسان. والثقافة تفعل العكس تمامًا. إنها تعيد إلى الآخر تعقيده وإنسانيته. لقد بنت قطر وفرنسا خلال العقود الماضية شبكة واسعة من المصالح والعلاقات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. والفرصة المطروحة اليوم هي إضافة بعد جديد إلى هذه العلاقة: أن تصبح الأفكار والثقافة والمعرفة أحد أعمدتها الأساسية.
ومن هنا تكتسب مذكرة التفاهم بين مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية والمعهد الفرنسي في قطر معناها الأوسع. فهي ليست مجرد إطار تعاون بين مؤسستين، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها جزءًا من اتجاه أكبر نحو بناء مساحات مشتركة يلتقي فيها الباحث بالمثقف، والأكاديمي بالكاتب، والسياسة بالأدب، والعالم العربي بأوروبا.
فالمرحلة المقبلة من العلاقات الدولية لن تصنعها فقط الدول التي تمتلك المال والطاقة والتكنولوجيا، بل أيضًا الدول والمجتمعات التي تستطيع أن تنتج الأفكار، وأن تفهم الآخرين، وأن تجعل المعرفة جسرًا بدل أن تتحول الهوية إلى جدار.وهنا تستطيع قطر وفرنسا أن تقدما نموذجًا مختلفًا للعلاقات بين العالم العربي وأوروبا: علاقة لا تقوم فقط على ما يستطيع الطرفان أن يشترياه أو يستثمراه معًا، وإنما على ما يستطيعان أن يفكرا فيه، ويبحثاه، ويكتباه، ويبدعاه معًا. فالمصالح تبني العلاقات بين الدول، أما الثقافة والمعرفة فتبني العلاقات بين الشعوب؛ والأولى قد تتغير بتغير الظروف، بينما الثانية هي التي تبقى في الذاكرة.
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...
حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...
ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...
ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...
ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...
بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...
كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...