


عدد المقالات 312
التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى في العلاج الصحيح، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كلّ مسار لاحق، سواء في الطب أو في السياسة أو في حياتنا اليومية. فبقدر ما يكون التشخيص دقيقاً، تكون الاستجابة فعّالة، وبقدر ما يختلّ التشخيص، تنحرف النتائج، مهما كانت النوايا حسنة والأدوات مُطوّرة. هذا المبدأ لا يقتصر على الحالات الطبية، بل يمتد إلى مختلف مناحي الحياة. ففي السياسة، يكشف التشخيص الدقيق لمواقف الدول وتحالفاتها واستراتيجياتها عن اتجاهاتها الحقيقية، بل وقد يحدّد مصيرها. وكم من دولة أخفقت ليس بسبب ضعف مواردها، بل بسبب خطأ في قراءة التهديد أو سوء فهم لطبيعة الصراع. وفي المجال الاجتماعي، لا يمكن معالجة ظاهرة ما دون فهم عميق لجذورها، وإلا تحوّلت الحلول إلى مسكنات مؤقتة تُخفي الأزمة ولا تعالجها. أما في العلاقات الإنسانية، وخاصة داخل الأسرة، فإن التشخيص الخاطئ قد يكون أكثر قسوة من أي خطأ آخر. فحين يُساء فهم المشكلة بين الزوجين، أو تُفسَّر السلوكيات بعيداً عن سياقها الحقيقي، تتراكم الأزمات بصمت إلى أن تصل إلى نقطة اللاعودة. وكثيراً ما لا يكون الانفصال نتيجة مشكلة كبرى، بل نتيجة سلسلة من التشخيصات الخاطئة لم تُصحّح في بداياتها. وراء كل تشخيص دقيق منظومة من المعايير والخبرات والتصوّرات، لكن العامل الحاسم يكمن في الموازنة بين المعرفة والوعي النقدي. ليس الأمر مجرد حدس أو «صوت داخلي» بالمعنى البسيط، بل هو تفاعل بين الخبرة المتراكمة والضمير المهني والقدرة على قراءة المؤشرات بعيداً عن الانحيازات. فالتشخيص لا يتطلّب فقط ما نعرفه، بل ما نحن مستعدون للاعتراف به. ومع ذلك، كثيراً ما تكون دقّة التشخيص في مهبّ الريح. ففي المجال الطبي، قد ينحاز الطبيب إلى البروتوكول على حساب خصوصية الحالة. وفي السياسة، ننحاز إلى مواقف مسبقة تشكلت بفعل أيديولوجيات موروثة أو تصورات شعبية أو حتى تضليل ممنهج، فنقرأ الواقع كما نريدُ أن نراه، لا كما هو. وهنا، يبرز مثال لافت يعكس خطورة التشخيص الخاطئ على مستوى الأنظمة، لا الأفراد فقط. فقد أشارت الأمم المتحدة مؤخراً إلى أن المرأة تتعرض لتجاهل الألم وسوء فهم الأعراض التي تعاني منها والتأخر في تشخيص حالتها الصحية، نتيجة نظام طبي صُمّم تاريخياً على أساس الجسم الذكوري دون مراعاة احتياجاتها. هذا الخلل لا يقتصر على التأخير في التشخيص، بل يمتد إلى معاناة طويلة، وأمراض مزمنة غير معالجة بالشكل الكافي، مثل اضطرابات الجهاز العضلي، والاكتئاب، والصداع النصفي. والمفارقة التي تطرحها الأمم المتحدة لافتة: النساء يعشن أطول، لكن بصحة أسوأ. وهو ما يعكس بوضوح كيف يمكن لانحراف بسيط في نقطة البداية، أي في التشخيص، أن يتحوّل إلى مسار طويل من المعاناة. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بقدرتنا على التشخيص فحسب، بل بمدى استعدادنا لمراجعة هذا التشخيص والاعتراف بأخطائه. فالمشكلة ليست دائماً في نقص المعلومات، بل في الإصرار على تفسيرها ضمن أطر جاهزة ومريحة. وبين انحياز المعرفة وتصلّب المواقف، تضيع الحقيقة، وتتحوّل الأزمات من مشكلات قابلة للحل إلى مسارات مفتوحة على التعقيد وربما الانهيار. فأين نحن اليوم في مجتمعاتنا من ثقافة التشخيص الدقيق؟ وهل نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأننا قد نكون أخطأنا الفهم منذ البداية؟ @snasser24
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...
«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...
الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب...
لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط. من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم...
المطلوب من الجميع التحلّي بأخلاقيات «اللعب النظيف» ولو ليوم واحد بالسنة، إذا تعذر ذلك في بقية العام. ومن الأفضل أن يكون ذلك في 19 مايو. فالأمم المتحدة تحتفل بـ «اليوم العالمي للعب النظيف» للعام الثاني...
هل نحن أمام تحولات زمنية عابرة أم مشهد مُنسّق بعناية؟ لقد اجتمع كبار القادة العسكريين في وزارة الحرب الأمريكية وصنّاع القرار في الحكومة الأمريكية، وشركات الصناعية الدفاعية، في 23 أبريل، للإعلان عن تحقيق «التقدّم» في...
كشف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مؤخراً أنه يدرس بجدية انسحاب بلاده من (الناتو) بعد امتناع الحلف عن الانضمام إلى الحرب الإسرائيلية الأمريكية -الإيرانية. يأتي هذا التهديد بعد أشهر قليلة من توقيع ترامب مذكرة رئاسية تقضي...
وافقت واشنطن على وقف إطلاق النار لمدّة أسبوعين، في وقت يتزامن مع تراجع شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أدنى مستوياتها، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مع تنامي خطر فقدان الحزب الجمهوري لأغلبيته الضئيلة. ويأتي...
من يتحكم بالتكنولوجيا يتحكم بنا، أحببنا هذه الحقيقة أم كرهناها. التكنولوجيا مفروضة علينا من كل حدب وصوب، فأصبحنا أرقامًا ضمن أنظمة رقمية سواء في أماكن عملنا عبر أرقامنا الوظيفية أو بطاقتنا الشخصية والائتمانية، وحتى صورنا...
ماذا سنكتب بعد عن لبنان؟ هل سنكتب عن انتحار الشباب أو هجرتهم؟ أم عن المافيات السياسية التي نهبت أموال المودعين؟ أو ربّما سنكتبُ عن خباثة الأحزاب وانتمائها للخارج على حساب الداخل. هل سنكتبُ عن انهيار...