alsharq

سحر ناصر

عدد المقالات 319

ماذا لو أصبحت «القوة القاهرة» هي النظام؟

22 يونيو 2026 , 11:32م

تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو موثوقية خوارزمياته. معاً، يحاولون العبور بالطائرة من مطبّ هوائي إلى آخر؛ وما إن يلتقط الركّاب أنفاسهم ويعتقدون أن العاصفة قد ولّت، حتى يأتيهم نداءٌ جديد وصارم بضرورة التشبث بالمقاعد. 
هذا المشهد السريالي لرحلة مضطربة دون وجهة واضحة، ليس مقطعاً من فيلم سينمائي، بل هو توصيف واقعي لحالة النظام الدولي في الوقت الراهن. فما نشهده اليوم من جوائح، وحروب هجينة، وتآكل مؤسساتي، لم يعد مجرد مطبات جوية طارئة على رحلة العولمة، بل أصبح هو مسار الرحلة ذاته.
وهذا يعني أننا دخلنا في ديمومة الأزمة، وهي حالة يمكن توصيفها بـ»القوة السياسية القاهرة». 
في القانون التجاري، تُعرَّف القوة القاهرة، بأنها حدث خارج عن إرادة الأطراف يمنعهم من تنفيذ التزاماتهم التعاقدية، كالحروب أو الكوارث الطبيعية. وقد برز تفعيل هذا البند تجارياً إبان الهجمات الإيرانية التي طالت منشآت النفط وحركة الناقلات في الخليج، مما أجبر شركات الطاقة على إعلان ‹القوة القاهرة› لتبرير تعطل شحناتها، في خطوة أحدثت صدمات هزت الأسواق العالمية.
ومع إسقاط مفهوم «القوة القاهرة» على الجغرافيا السياسية، نجد أنفسنا أمام قوة مبهمة تتلاشي فيها قدرة الدول منفردة ومجتمعة على التنبؤ بالأزمات أو حوكمتها أو حتى السيطرة عليها. 
من الطبيعي ألا نشهد سقوط النظام الدولي الحالي، الذي تأسس بعد الحرب الباردة، بضربة دراماتيكية، ولهذا، نحن على متن هذه الرحلة اليوم، التي تتآكل فيها الركائز التي قام عليها هذا النظام بهدف تحقيق الاستقرار النسبي، وتمكين الدول من التعامل مع الأزمات الاستثنائية، ووضع خطط استراتيجية طويلة الأمد.
لكن ماذا لو أصبحت الأزمة أو «القوة السياسية القاهرة» هي النظام نفسه؟ 
خلال السنوات الأخيرة، بدت الثقة بالقانون الدولي الإنساني ومؤسسات العمل متعدد الأطراف، وفي مقدّمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، اللذان يبدوان عاجزين عن فرض قواعد النظام الذي أُنشئا لحمايته، متآكلة إلى حدّ كبير، وأقلّ ما يمكن وصفها بـ»المترهلة». 
تسارعت مؤشرات التآكل مع الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الغذاء العالمية، ثم مع حرب السابع من أكتوبر، حيث استُخدمت القوة العسكرية المفرطة الإسرائيلية على نطاق واسع في غزة ولبنان وفي عمليات الاغتيال السياسي في قلب العاصمة القطرية الدوحة، لإدراكها بعجز المنظومة الدولية عن فرض المحاسبة. 
كذلك كشفت المواجهة المتصاعدة بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، بُعداً آخر لهذا التآكل، إذ تحوّلت المضائق والممرات البحرية وعلى رأسها مضيق هرمز، إلى أدوات ضغط جيوسياسي.  
بموازاة ذلك، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة نفوذ تعيد رسم خرائط القوة من خلال التأثير في الرأي العام والتلاعب بالمعلومات. 
وعلى الصعيد الاقتصادي، تُستخدم المنظومة المالية الدولية كأداة للضغط السياسي، في مؤشر على تآكل النظام المالي العالمي الموحد، وصعود مسارات اقتصادية بديلة تحمي بقاء الأنظمة. ينعكس هذا التفتت البنيوي أيضًا في ملف الأوبئة والتغير المناخي، الذي أصبح عاملًا مسرعًا للاضطرابات العالمية وليس قضية عابرة تُطرح في مؤتمر أو في مشاورات أممية. 
هذه المؤشرات عززت ما يُسميه عالم السياسة إيان بريمر بـG-Zero، الذي يرى أن النظام الدولي الراهن يفتقر إلى قوة عظمى مهيمنة واحدة، أو إلى تحالف من الدول يمتلك القدرة أو الإرادة لتولي قيادة النظام الدولي بصورة متسقة ومستدامة. 
بالتالي لن نتساءل اليوم عن هوية ربّان الطائرة؟ أي من سيقود المرحلة الراهنة؟ بل من سيكون الأقدر على التكيّف من الركاب في رحلة أصبحت فيها الأزمات هي القاعدة لا الاستثناء؟
وهنا، لم تعد القوة السياسية القاهرة مجرد توصيف نظري لحالة عابرة، بل أصبحت الثابت الوحيد الذي قد يُعيد هندسة النظام الدولي. ولعلّ الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في استمرار المطبات الجوية، بقدر ما يكمن في التسليم بأننا على متن رحلة.. قد لا تهبط قريباً.

 

 @snasser24

كل شيء يعبر الحدود.. إلا الإنسان

ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...

لبنان.. «خلّوا الحساب علينا»

المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...

أوروبا تزداد حرارة.. والتبريد يبدأ من الخليج

أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...

أين شباب الجامعات في الوطن العربي؟

كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...

ماذا ترك الشيخ حمد للبنانيين؟

ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...

الناتو الخليجي.. ونهاية ربع قرن من «تبرئة الذات»

على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...

لبنان: فوبيا الدولة

القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...

صناعة الوهم: ماذا يبيع مدربو الحياة؟

جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...

كيف أصبحت قطر عقدة إستراتيجية لا يُمكن تجاوزها؟

مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...

«هيئة البث الإسرائيلية» في رئاسة تحرير عربية

«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...

لبنان.. خطاب لا يشبه الناس

الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب...

«إنعاش الفئران المخدّرة»: المأساة البنيوية لشعوب الشرق الأوسط

لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط. من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم...