


عدد المقالات 316
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات الرأي العام.
لم يُنظر يوماً إلى جامعات القاهرة، وبيروت، ودمشق، وبغداد، والرباط، وتونس، وعواصم خليجية، كمؤسسات تمنح شهادات تعليمية فحسب، بل صروحًا لإنتاج الأفكار والمبادرات الوطنية وصناعة النخب التي ستقود الدولة.
على مدار قرون، برز الحرم الجامعي كمختبر حيّ للنقاش الفكري، تتنافسُ فيه المدارس القومية والليبرالية واليسارية والإسلامية، وتُناقَش فيه قضايا الاستقلال والتنمية والوحدة والإصلاح والعدالة الاجتماعية.
أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفًا إلى حدٍّ كبير. لقد اختفت المحاضرات السياسية المفتوحة، وتراجعت المناظرات الطلابية حول القضايا الوطنية، واندثرت الصحافة الجامعية، وانكمش دور اتحادات الطلبة، فأصبحت الجامعات أكثر اتساعًا، وطلابها أكبر عددًا، ودرجاتها الأكاديمية أكثر بريقاً، لكن تأثير شبابها في النقاشات الوطنية يبدو أضعف، واهتمامهم بالشأن العام أوهن.
يقضي الشباب سنواتهم الجامعية في مطاردة الشهادات الأكاديمية والتدريب الوظيفي، فيما تغيب الأنشطة السياسية والفكرية عن تجربتهم الجامعية، وتُستثنى مشاركتهم الفاعلة في أنشطة فكرية تكاد تكون استثنائية، بل محدودة وربّما شديدة الحذر، تُختزل في مُحاكاة افتراضية داخل فصولهم الدراسية، وآراؤهم حاضرة فقط في لقطات عابرة عبر تقرير إخباري عن حفل تكريم، أو تعليق على منصة رقمية، أو مشاركة مُخطط لها في فعالية رسمية.
ولعلّ أخطر ما في هذا الصمت المُدوّي أنه يظهر اليوم في لحظة تاريخية، حيث تواجه الدول العربية تحديات نوعية ومشاريع خارجية تتنافس على رسم مستقبلهم ومستقبل المنطقة، حيث تُخاض الحروب ضدّ أوطاننا بالمعلومات، والسرديات، والرأي العام، والحملات الرقمية، والمصطلحات اللغوية.
وفيما تُثبت التجارب العالمية أن معظم القيادات السياسية والاقتصادية والفكرية بدأت رحلتها من المقاعد الجامعية، حيث تعلمت كيف تسأل، وكيف تناقش، وكيف تقنع، وكيف تتحمل المسؤولية، لا كيف تحفظ المقررات الدراسية، تتراجع قدرات الطلبة العرب اليوم على قيادة النقاش العام والتأثير في صناعة السياسات، لصالح همّ البحث عن وظيفة أو السير في موكب «المؤثرين» ومتابعة حياة افتراضية. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية.
ففي الوقت الذي أصبح فيه شباب الجامعات يمتلكون أدوات تعبير لم تكن متاحة لأسلافهم من منصات رقمية ومساحات إعلامية، يتراجع تأثيرهم من الفعل إلى التعليق، ومن المبادرة إلى التفاعل، ومن الاهتمام بالشأن العام إلى متابعة «الترندات» اليومية، فأصبحت الخوارزميات تحدد قضاياهم، لا مراكز الفكر أو الندوات الأكاديمية.
هذه ليست مطالبة بتحويل الجامعات العربية إلى ساحات للاستقطاب، ولا إلى منابر للصراعات الحزبية، بل دعوة إلى تمكين الجامعات كي لا تُترك خارج معادلة الدولة القوية؛ ودعوة إلى الجهات المعنية لتنشيط عمل الجامعات على مستوى الوطن العربي، لاستضافة السياسيين المؤثرين، لا لإلقاء خطابات بروتوكولية، بل لحوارات مفتوحة مع الطلبة. ودعوة كذلك، إلى وسائل الإعلام لتخصيص برامج طلابية، لا لتغطية حفلات التكريم السنوية، بل لاكتشاف قوّة الطلبة في الدفاع عن الأوطان. ودعوة عاجلة إلى المؤسسات البحثية لتفتح أبواب التعاون مع الجامعات في المنطقة العربية، ليُدرك الشباب كيف تُصنع السياسات العامة، وكيف تُدار الأزمات، وكيف تتحول الأفكار إلى قرارات.
وسط التغيرات العالمية، ما زالت الجامعة هي المكان الطبيعي الذي يُصنع فيه مستقبل الدولة. وهذا يُدرج ضمن الضرورات الاستراتيجية، لا في إطار الترقية الثقافية.
المطلوب اليوم ليس إعادة تسييس الجامعات، وإنما إعادة إحياء دورها المدني والفكري، وأن يعود الحرم الجامعي ساحة للنقاش الرصين، وأن تستعيد اتحادات الطلبة دورها في تنمية مهارات القيادة، وأن تتوسع مسابقات المناظرات، والمحاكم الصورية، ونماذج مجالس الشعوب، ومختبرات السياسات العامة، وحاضنات الأفكار، لتصبح الجامعة مصنعًا للقادة، لا مجرد محطة للحصول على شهادة.
وربما آن الأوان لأن نسأل: أين اختفى شباب الجامعات العربية؟ فمن الصعب تصور مستقبل عربي، إذا بقيت الجامعات معزولة عن هذا النقاش الوطني، بدءًا من الأمن الجغرافي، مرورًا بالأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي والتغير المناخي، وإذا عجزت الدولة عن إنتاج جيلٍ يفهم قضاياها ويدافع عنها في الساحات الفكرية والمناورات السياسية.
إنّ الدولة التي تُهمّش جامعاتها الوطنية وتُبقي شبابها خارج النقاشات القومية، ستستورد غدًا أفكارها وقياداتها، أمّا تلك التي تبني جسورًا مع جامعاتها الوطنية، فإنها لا محالة تستثمر في أمنها القومي وحاضرها ومستقبلها.
الفكرة هي خطّ الدفاع الأول عند صمت المدافع.
@snasser24
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...
«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...
الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب...
لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط. من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم...
التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى في العلاج الصحيح، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كلّ مسار لاحق، سواء في الطب أو في السياسة أو في حياتنا اليومية. فبقدر ما يكون التشخيص دقيقاً، تكون الاستجابة فعّالة،...
المطلوب من الجميع التحلّي بأخلاقيات «اللعب النظيف» ولو ليوم واحد بالسنة، إذا تعذر ذلك في بقية العام. ومن الأفضل أن يكون ذلك في 19 مايو. فالأمم المتحدة تحتفل بـ «اليوم العالمي للعب النظيف» للعام الثاني...
هل نحن أمام تحولات زمنية عابرة أم مشهد مُنسّق بعناية؟ لقد اجتمع كبار القادة العسكريين في وزارة الحرب الأمريكية وصنّاع القرار في الحكومة الأمريكية، وشركات الصناعية الدفاعية، في 23 أبريل، للإعلان عن تحقيق «التقدّم» في...