alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 349

ظاهرٌ باطنٌ

22 مارس 2026 , 10:11م

كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٍ»، وسبحان من هذا كلامه، وتبارك من هذا نظامه، ختم ربنا الآية أنه «بكل شيء عليم»، بعد أن ذكر دعائم هذا العلم وأركانه التي تقوم ببنيانه، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهذه إحاطة تلفُّ الوجود من الذرَّة إلى المجرَّةِ، وما فوق ذلك من المخلوقات العظيمة التي لا ندركها ويدركها الظاهر، وما دون ذلك من الدقائق التي خفت علينا، ويدركها الباطن، وإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الخلق تفسيرًا لكتاب الله، وهو المتصل دائمًا بالسماء، ينقل لنا السناء والعطاء من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ومن دعائه المأثور عنه قوله: «اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»، وهذا من أحسن التفسير والتأويل لمحكم التنزيل. إذًا، أولوية لله غير مسبوقة، وآخرية غير ملحوقة، وظاهرية مشرفة على كل شيء، وباطنية كاشفة لكل شيء، فناسب بعد هذا الأمد الممتد والاتساع الذي لا يُحَدّ، أن يعقبه قوله سبحانه: «وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ»، ومن هذه صفاته وسماته فمن أين تتطرق له غفلة الغافلين وجهل الجاهلين، سبحانه وتعالى عن كل الظنون التي تسوّل تحسس كنهه، وتلمّس عظمته. الظهور «لغويًا» هو البروز والإشراف والانكشاف، وهو مشتق من ظهر الإنسان. والباطن مشتق من البَطن، وهو مقتبل الإنسان وداخله. وتتفرع من مادة «ظهر» مواد لغوية كثيرة، ومشتقات وفيرة، ولكلها نصيب من جذرها، فالظهير هو السند والمعين، وانظروا قوله تعالى: «قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا»، أي لو كان بعضهم لبعض معاضدًا ومساندًا. وكذلك، تطلق «التظاهرة» على الاحتجاجات الشعبية التي يكون قوامها تكتل الحشود والمواكب؛ لإلزام المعنيين بتلبية المطالب، وهذه كلّها مشتقة من الظهر، ولعلكم، يومًا، رأيتم مشهدًا للمحاربين بالسيوف إذا حمي الوطيس، والتقى الخميس بالخميس، [والخميس هو الجيش]، فإذا كانت إحدى الفئتين قليلة، تشكّل حلقة تكون ظهور المقاتلين فيها إلى بعضها، ورماحهم وسلاحهم إلى نحور أعدائهم وصدورهم، وإذا انفرطت الحلقة، يتظاهر كلّ فارسين منها ليأمنا على ظهريمها، ويقاتلا من يليهما، فهذه الحركة تسمى التظاهر أو المظاهرة. وتكون غايتها تغطية الظهر الذي هو مصدر البروز ولانكشافه وموضع الحذر والمخافة، والظاهر سبحانه هو المحيط البارز الذي أشرف على كل عالٍ منيف، والباطن سبحانه هو العليم بالبواطن وبكل دقيق لطيف، وهو القائل جل وعلا: }يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية{، فأما خافية المظهر، فهي تحت علم الظاهر، وأما خافية البواطن والسرائر، فهي تحت علم الباطن، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وفي «شرح مشكل الآثار» للطحاوي، أدرج حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهرٌ وبطنٌ»، فكان أحسن ما في تأويل هذا الحديث الذي أشكل على الأصحاب، وأولي الألباب؛ أنَّ لكلِّ آيةٍ من كلام الله معاني ظاهرة سائغة يلتقطها العامة والبسطاء، ثم يكون لها معانٍ خافيةٌ بعيدةُ الغور، تحتاج إلى التدبر وإعمال الفكر، وهذه مهمة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وكلّ من سعى بإخلاص لفهم كتاب الله تعالى وتدبر ما فيه. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com

توّاب... يحبّ التوّابين

هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...

ما بين الحمد والشكر

هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...

المرأة في الحضارة الإنسانية

منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...

بكبريائه اهتدوا...

في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...

فلسفة وعبادة

وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...

نفحات الرحمة

جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...

القدوس

ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...

المساجد... منارات علم وحضارة

ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...

الحليم

يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...

من لطائف الإسراء

من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...

مدينة القدس

«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...

بصير بنا

إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...