


عدد المقالات 345
إنَّ خيرَ بداية نتفقّه فيها بالنصر، أن نتذكّر أن الناصر اسم من أسماء الله، وهو اسم كريم متاخم وملازم لاسم الغالب، والنصرة من الله هي تعدية الغَلبة لفريق، فيقهر فريقًا آخر ويغلبه، وهي العون والمدد، وقد ورد اسم الله الناصر بصيغة التفضيل في موضع واحد من كتاب الله، في قوله تعالى: «بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِريْنَ»، وصيغة التفضيل هذه، تقتضي أن يكون هناك ناصرون من دون الله، وهو وارد غير ممتنع؛ فهناك من البشر من ينصرون أشياعهم وأتباعهم، وقال تعالى في بعض فئات المؤمنين الذين لم يبرحوا أماكنهم ولم يتركوا مواطنهم، ولم يدخلوا في زمرة المهاجرين: }وَإِنْ اسْتَنْصَرُوْكُمْ في الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيْثَاقٌ{، أي أنَّ النصر فِعلٌ يشترك فيه الخالق والخلق، ولكن للهِ مثله الأعلى، وللعباد مثله الأدنى، ونصر المسلمين لهم يكون بأن يرفدوهم مددًا ويكثروهم عددًا.وقد وردت كلمة «ناصر» أكثر من مورد في كتاب الله، ولكن بمعاني دونية ليست بحق الجَناب الأعلى، والمقام الأرقى، وقد قال تعالى في ثلاث آيات متعاقبات من سورة الطارق: } إِنّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٌ{. أي أن الله قادر على بعث الإنسان من الموات، وإعادته إلى الحياة، وذلك في دار القرار، حيث تُعرض الأسرار، على الواحد القهار، فليس ثمة تناصر ولا أنصار، بل تدابر وإِدبار. ومن مرادفات الناصر القرآنية «النصير»، والأخير مبالغة من الأول، وله أربعة مواضع قرآنية منها قوله تعالى: } وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيْرًا {، وعليه نصَّ حديث نبوي شريف رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، جاء فيه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا قال: «اللهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيْرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ». وقد فقّهنا الله بفقه النصر حينما أعطانا الدروس النافعة، والمواعظ الناجعة بخيرة خلقه المصطفى الأمين، وخيرة صحبه من الأنصار والمهاجرين، في خير القرون منذ آدم إلى يوم يبعثون، ولقننا سبحانه وتعالى دروسًا لمن كانت له أذن واعية، ونبهنا إلى أنّ سلعة النصر غالية، وأن أدنى خلل يؤخره، وأن صغائر المعاصي تعثره، فالله جل وعلا يوم أحد وبعد أن دارت الدائرة على الكافرين، وولوا مدبرين، واستشعر المؤمنون حينها نشوة النصر، حدث الخلل، وفارق الرماة مواقعهم على الجبل، يبغون التقاط الغنائم، فتسببوا بعودة الكرة والهزيمة. وكذلك الحال يوم حنين؛ فبعد أن خرج المسلمون في جيش جرار، من المهاجرين والأنصار ومن قبائل العرب الذين دخلوا في الإسلام، خرجت كلمة من أحد أفراد الجيش لا يلقي لها بالًا، فعادت على المسلمين وبالًا ونكالًا، مفادها: «لن نغلب اليوم من قلة»، أي أن حشودهم وعديدهم كفيلة بالنصر، وما أن التقى الجمعان حتى انفرط هذا الحشد الخِضَمّ، والجيش العرمرم، وبقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ثلة معدودة في رأس الطليعة، وفي حامي الوطيس والوقيعة، ثم منَّ الله بعودة الكرة للمسلمين، ونزل البيان القرآني لاحقًا يشير إلى هذا المرض العقدي الذي ينافر الإيمان والتواضع للرحمن، فقال تعالى: } وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مَدْبِرينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِيْنَتَهُ عَلَى رَسُوْلِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِيْنَ وَأَنْزَلَ جُنُوْدًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِيْنَ { التوبة. وأخيرًا، ما أعظم أن نتفقّه في أسباب النصر وأشراطه وأركانه وآفاته ونواقصه ونواقضه، كي ننتصر بداية على أنفسنا وعلى الشيطان قبل أن ننتصر على أعدائنا. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...
عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...
إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...