alsharq

فالح بن حسين الهاجري - رئيس التحرير

عدد المقالات 211

اكتمال معجم الدوحة.. لحظة تأسيس جديدة في تاريخ «العربية»

23 ديسمبر 2025 , 01:00ص

شهدت الدوحة لحظة ثقافية استثنائية مع حفل اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» برعاية وحضور حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في قاعة كتارا بفندقي فيرمونت ورافلز. لم يكن الحدث مجرد احتفاء بمشروع لغوي، وإنما إعلان عن انتقال اللغة العربية إلى مرحلة جديدة من الوعي بذاتها، مرحلة تمتلك فيها أداة علمية شاملة تعيد ترتيب علاقتها بتاريخها، وتمنحها مرجعا مؤسسا يضاهي ما تمتلكه اللغات الكبرى في العالم. جاء هذا الاكتمال تتويجا لمسار طويل من العمل البحثي المنهجي، شارك فيه مئات الباحثين والمحررين والخبراء من مختلف الأقطار العربية، ضمن مشروع استند إلى رؤية واضحة تعتبر اللغة ركيزة للهوية، ومجالا للإنتاج المعرفي، لا مجرد وعاء تراثي. وقد عكس برنامج الحفل هذه الدلالة، من خلال عرض فيلم وثائقي عن مسيرة المعجم، ومنهجه، وحجمه العلمي، ثم تقديم البوابة الإلكترونية الجديدة التي تشكل واجهته الرقمية، وصولا إلى تكريم صاحب السمو للعاملين في المشروع، في مشهد حمل قيمة رمزية عالية، ورسالة واضحة عن مكانة المعرفة في الرؤية الثقافية للدولة. إن اكتمال المعجم في هذا السياق لا يعني إغلاق مشروع، وإنما اكتمال مرحلة تأسيسية كبرى، تفتح الباب أمام استخدامات علمية ومعرفية أوسع، وتضع العربية في موقع الفاعل داخل المشهد اللغوي العالمي، بعد قرون من الاعتماد على جهود جزئية متفرقة لم ترقَ إلى مستوى المعجم التاريخي الشامل. معجم يعيد بناء العلاقة بين اللغة والزمن تكمن القيمة العميقة لمعجم الدوحة التاريخي في كونه أعاد بناء العلاقة بين اللغة والزمن على أسس علمية دقيقة. فاللغة العربية، على امتداد تاريخها الطويل، حملت المعرفة، وصاغت المفاهيم، وواكبت تحولات المجتمع والفكر، غير أن دراسة ألفاظها غالبا ما بقيت أسيرة المقاربة المعيارية التي تهتم بالضبط والتقويم، من دون تتبع مسارات المعنى داخل التاريخ. اعتمد المعجم منهج التأريخ الدلالي، القائم على تتبع الكلمة منذ أول ظهور موثق لها في النصوص، ورصد تطور معناها عبر الحقب الزمنية المختلفة، مع الاستناد إلى شواهد دقيقة من مصادر متنوعة، تشمل النقوش، والوثائق، والنصوص الأدبية،والعلمية. وبهذا، تتحول المفردة إلى شاهد تاريخي يكشف عن التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية التي مرت بها المجتمعات العربية. هذه المقاربة تمنح الباحثين أداة جديدة لإعادة قراءة التراث، حيث يصبح المعنى نتاج سياقه، لا حكما معلقا خارج الزمن. ومن هنا، تتجاوز أهمية المعجم حدود اللسانيات، لتشمل التاريخ الثقافي، والدراسات الفكرية، والبحث في تطور المفاهيم السياسية والدينية والاجتماعية. فحين يُعاد تتبع دلالة مفهوم معين عبر قرون متعددة، فإننا نقرأ تاريخا للوعي الجمعي، ونفهم كيف تشكلت التصورات، وكيف أعادت اللغة إنتاج الواقع في كل مرحلة. وقد أشار القائمون على المشروع، في أكثر من مناسبة، إلى أن العمل المعجمي كشف عن ثراء لغوي واسع، وأعاد الاعتبار لكثير من الألفاظ والتراكيب التي أُقصيت أو أسيء فهمها عبر الزمن، استنادا إلى الشاهد التاريخي الموثق. وفي هذا المعنى، يصبح المعجم أداة تحرير معرفي، تعيد اللغة إلى سياقها الطبيعي، وتحررها من الأحكام الانطباعية والقراءات المجتزأة. الرعاية السياسية بوصفها نموذجاً ثقافياً في التجارب الثقافية الكبرى، لا يُقاس وزن المشروع المعرفي بحجمه العلمي وحده، وإنما بالمكانة التي يحظى بها ضمن أولويات الدولة، وبطبيعة الرعاية التي تحيط به على مستوى الرمز والسياسة والمؤسسة. وفي هذا الإطار، يكتسب حضور أمير البلاد المفدى حفل اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» معنى يتجاوز حدود المناسبة، ليقدّم نموذجا واضحا لكيفية إدارة الدولة لشأنها الثقافي بوصفه جزءا من مشروعها العام. هذا الحضور وضع المعجم في موقعه الطبيعي كمنجز وطني ذي بعد عربي واسع، وأكد أن اللغة العربية ليست ملفا ثقافيا معزولا، وإنما ركيزة من ركائز الهوية، وأداة فاعلة في بناء الثقة المعرفية والانفتاح الواعي على العصر. وقد عبّر صاحب السمو عن هذه الرؤية في منشوره على منصة «إكس»، حين وصف اكتمال المعجم بأنه منجز يعزز تمسك الشعوب العربية بهويتها، ويعكس قدرتها على التفاعل مع الوسائل الحديثة بثقة واتزان، وهي عبارة تختصر تصورا ثقافيا يرى في اللغة مجالا للتكامل بين الأصالة والتجديد. ويكتمل هذا المعنى مع مشهد تكريم الباحثين والخبراء والمحررين الذين أسهموا في إنجاز المعجم، حيث تحوّل الاحتفاء من المنتج إلى الإنسان، ومن النتيجة إلى المسار، في تأكيد على أن العمل العلمي التراكمي هو جوهر أي مشروع حضاري قابل للاستمرار. فهذا النوع من الرعاية يرسّخ ثقافة تقدير المعرفة، ويبعث رسالة واضحة إلى الأجيال الجديدة مفادها أن البحث الجاد يجد بيئة تحميه وتمنحه الاعتراف المستحق. وفي السياق نفسه، أشار مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة إلى أن المعجم أوفى بالتزامه العلمي في تقديم معجم تاريخي شامل للغة العربية، مع تأكيده أن اكتمال هذه المرحلة لا يعني الجمود، وإنما يفتح المجال أمام التطوير المستمر، والتوسيع المنهجي، والتوظيف البحثي المتقدم، خاصة في مجالات الرقمنة والمعالجة الآلية للغة. ووفق هذا التصور، يغدو المعجم بنية معرفية حية، قابلة للنمو، ومؤهلة للإسهام في تشكيل مستقبل الدراسات اللغوية العربية. بهذا المعنى، تتقاطع الرعاية السياسية، والرؤية الثقافية، والجهد العلمي في نموذج واحد، يقدّم اللغة العربية بوصفها مشروعا وطنيا مفتوحا على الزمن، وقاعدة معرفية قادرة على وصل الماضي بالمستقبل ضمن مسار متوازن وواثق. المعجم في قلب العصر الرقمي عرض البوابة الإلكترونية الجديدة لمعجم الدوحة التاريخي شكّل أحد أبرز محاور الحفل، لما يحمله من دلالات تتصل بمستقبل اللغة العربية في العصر الرقمي. فالتحول الرقمي لم يعد خيارا ثقافيا، وإنما شرط أساسي لحضور اللغات في منظومات المعرفة العالمية. ومن هنا، تمثل البوابة واجهة معرفية متقدمة تتيح الوصول إلى المادة المعجمية التاريخية عبر أدوات بحث دقيقة، تسمح بتتبع تطور المعاني، وربط الألفاظ بسياقاتها الزمنية، واستعراض الشواهد الموثقة. تكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل التوسع المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومعالجة اللغات الطبيعية، حيث تعتمد النماذج الذكية على وفرة البيانات وجودتها ودقتها التاريخية. وفي هذا السياق، يتحول معجم الدوحة إلى مورد استراتيجي يمكن الاستناد إليه في تطوير نماذج لغوية عربية أكثر قدرة على الفهم والتحليل، وأكثر حساسية للسياق الثقافي والمعرفي. وقد أشار القائمون على المشروع إلى أن المعجم ومدونته اللغوية الضخمة يفتحان آفاقا واسعة لتطوير تطبيقات رقمية، تسهم في تعزيز حضور العربية في الفضاء التقني، وتحد من الفجوة القائمة بينها وبين اللغات ذات الموارد الرقمية الأكبر. ويأتي انعقاد مؤتمر «الذكاء الاصطناعي وخصائص اللغة العربية» بالتزامن مع حفل الاكتمال ليؤكد هذا الترابط بين اللغة والتكنولوجيا، ويضع المعجم في قلب النقاش حول مستقبل العربية في العالم الرقمي. معجم للمستقبل العربي يمثل اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» لحظة تأسيسية جديدة في علاقة العرب بلغتهم. فهو لا يشكل نهاية مشروع، وإنما بداية مرحلة أعمق من التفاعل مع العربية بوصفها لغة معرفة وحضارة. في هذا المعجم تتجسد فكرة العمل العربي المشترك حين تتوافر الرؤية، والمؤسسة، والإرادة السياسية الداعمة. وفي رعاية القيادة القطرية لهذا المشروع، يتجلى إدراك واضح بأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، وإنما ركيزة للسيادة الثقافية، ومفتاح للانخراط الواعي في عالم سريع التحول. ومع هذا الإنجاز، تدخل العربية مرحلة جديدة، تستند فيها إلى ذاكرة موثقة، وحضور رقمي متنام، وثقة متجددة بقدرتها على مواكبة العصر، والمساهمة في صناعة المستقبل المعرفي. @FalehalhajeriQa

الشيخ جوعان بن حمد.. مسيرة إنجازات تُتوج بثقة آسيا

جاءت تزكية سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيسا للمجلس الأولمبي الآسيوي تتويجا لمسار طويل من العمل الرياضي المؤسسي، ورسالة واضحة من القارة الآسيوية بأن القيادة في هذه المرحلة تُمنح لمن راكم التجربة، وصنع...

اليوم الوطني: تأسيس الدولة.. وبناء الإنسان.. وحضور يتجاوز الجغرافيا

تحتفل دولة قطر في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام بذكرى تأسيسها عام 1878م على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني (رحمه الله). وهذه مناسبة وطنية لا تختزلها المراسم والاحتفالات، وإنما تعكس...

قطر والسعودية.. شراكة تُعيد رسم مستقبل الخليج

شهدت العاصمة الرياض، أمس الإثنين، انعقاد الاجتماع الثامن لمجلس التنسيق القطري–السعودي برئاسة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل...

منتدى الدوحة 2025.. منصة عالمية تنتقل بالعدالة من المفهوم إلى التنفيذ

انطلقت، أمس، أعمال منتدى الدوحة 2025 وسط حضور رفيع، تقدّمه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حيث شكّل وجود سموه في افتتاح الفعاليات علامة على الاهتمام الذي توليه الدولة...

قطر وبناء العقل: منظومة تقود الدولة نحو المستقبل.. حين تتحول المعرفة إلى مشروع وطني

هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها التفكير أهم من البناء، والفكرة أهم من المساحة، والعقل أهم من القوة المادية. في مثل هذه اللحظات يتضح أن الدول التي تملك عقلا منظما ورؤية فكرية واضحة تستطيع أن...

تتقدم قطر إلى واجهة المشهد الدولي.. جولة صاحب السمو تفتح حقبة جديدة في إفريقيا والعالم

شهدت الدبلوماسية القطرية خلال الأيام الماضية محطة جديدة تعكس حضور دولة قطر في قلب التحولات الإقليمية والدولية، عبر الجولة التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى...

من ساحات شمال كيفو إلى الدوحة.. إنهاء سنوات من التوتر بين الكونغو الديمقراطية و «M23»: رحلة وساطة قطرية تنشر السلام في قلب القارة السمراء

في الخامس عشر من نوفمبر 2025، شهدت الدوحة محطة جديدة في سجل الوساطة القطرية مع توقيع «اتفاق الدوحة الإطاري للسلام» بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف نهر الكونغو، المعروف بحركة الثالث والعشرين من مارس «...

شراكة تتقدم نحو التنفيذ.. الدوحة تفتح مرحلة جديدة في التعاون مع كوريا

افتُتِحت الدورة الحادية والعشرون من منتدى التعاون بين كوريا والشرق الأوسط تحت شعار «شراكة من أجل السلام والازدهار»، في حدث بدت ملامحه أبعد من تقويم مؤسسي معتاد.جاء المنتدى منظَّما من مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية...

كلمة صاحب السمو أمام القمة العالمية تحمل رؤية شاملة.. التنمية الاجتماعية لا يمكن فصلها عن العدالة الإنسانية

في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية التي تحتضنها الدوحة، ألقى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى كلمة شكلت حدثا في حد ذاتها، لما حملته من رؤية شاملة تتجاوز المألوف...

المعلومة تحت النار .. إسكات الصحفي لن يوقف القصة

يشهد العالم تحولا غير مسبوق في طبيعة المخاطر التي يواجهها الصحفيون داخل مناطق النزاعات. لم تعد التهديدات مرتبطة بالصدفة أو بخطأ في حسابات الميدان، وإنما أصبحت جزءا من استراتيجية تسعى إلى التحكم بالرواية وإدارة الذاكرة....

خطاب صاحب السمو في مجلس الشورى.. خطة عمل وطنية متكاملة

افتتح حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، صباح يوم أمس الثلاثاء 21 أكتوبر 2025، دور الانعقاد العادي الرابع والخمسين لمجلس الشورى، في لحظة سياسية تؤكد استمرار الدولة على نهجها...

صاحب السمو رجل السلام.. قطر تصنع الأمل.. من أول «الطوفان» إلى قمة شرم الشيخ

حين تشتعل الحروب وتنتكس معاني الإنسانية، لا يُقاس القادة بما يقولون، بل بما يفعلون. وفي زمن كثرت فيه الخطابات وقلت فيه المبادرات الإقليمية والدولية لإحلال السلام، برزت دولة قطر كوسيط نزيه لها دورها الفاعل، يقودها...