


عدد المقالات 213
في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية التي تحتضنها الدوحة، ألقى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى كلمة شكلت حدثا في حد ذاتها، لما حملته من رؤية شاملة تتجاوز المألوف في الخطابات الرسمية، وتضع التنمية الاجتماعية في سياقها الأوسع: سياق الإنسان، والكرامة، والاستقرار، والشراكة الدولية. جاءت الكلمة بمثابة إعلان توجه جديد في العلاقات التنموية، يعيد ترتيب أولويات العالم، ويمنح قطر موقعا مؤثرا في صياغة مستقبل التنمية على المستوى الدولي. أشار صاحب السمو إلى أن انعقاد هذه القمة بعد ثلاثين عاما على قمة كوبنهاغن عام 1995 يعبّر عن لحظة استثنائية من إعادة النظر في مفهوم التنمية الاجتماعية ورهاناتها. فالعالم اليوم يواجه تحديات متراكمة: نمو اقتصادي غير متكافئ، بطالة، تفاوت اجتماعي، هشاشة في منظومات العدالة، وجراح مفتوحة في مناطق عديدة. في ظل هذه التحديات، تصبح التنمية الاجتماعية عاملا جوهريا لحماية السلم الاجتماعي داخل الدول، وضمان الاستقرار والسلم الدولي. تأكيد مبدأ راسخ في السياسة القطرية: العمل الجماعي شدد صاحب السمو على أن التنمية الاجتماعية ليست قضية خلافية، بل مسؤولية مشتركة، وأن مواجهة التحديات لا تتم من خلال الانعزال أو الانكفاء بل عبر التعاون بين الدول والمؤسسات الدولية. وفي هذا التصور تتجلى ملامح رؤية قطر لدبلوماسية قائمة على الشراكة وعلى الحوار البنّاء، لا على التنافس والصراع. في البعد الوطني، لم يكتف الخطاب بذكر البرامج أو تعداد الإنجازات، بل ركز على فلسفة التنمية في قطر. تحدث صاحب السمو عن التحول من مفهوم الرعاية إلى مفهوم التمكين، وهو توجه يعكس انتقالا نوعيا من سياسة الحماية إلى سياسة المشاركة. فالتنمية الاجتماعية في قطر أصبحت مشروعا مجتمعيا يرتكز على الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها. وفي هذا السياق، أعلن سموه عن استراتيجية وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة (2025 – 2030) تحت شعار «من الرعاية إلى التمكين»، في انسجام تام مع رؤية قطر الوطنية 2030. هذا التحول يتضمن تحسين جودة التعليم، توسيع فرص التمكين الاقتصادي، تعزيز الرعاية الصحية والأسرية، وتقديم حماية اجتماعية قائمة على العدالة وتكافؤ الفرص. لم تعد التنمية الاجتماعية برنامجا قطاعيا أو خدمة إدارية، بل أصبحت عملية مستمرة هدفها بناء مجتمع قادر على المشاركة، ومساهم في صنع فرصه، وقادر على التفاعل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية. هنا، تتجسد الرؤية بأن التنمية ليست منح امتيازات، وإنما خلق قدرة، وتحرير طاقة الإبداع، واستثمار الإنسان بوصفه رأس المال الأول. معالجة آثار الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي التأثير الدولي كان حاضرا بوضوح في كلمة سموه. عرض الخطاب مبدأً محورياً مفاده أن التحديات الكبرى، مثل الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي، لا تعالج داخل حدود كل دولة، لأن آثارها تتجاوز الجغرافيا. من هنا، جاءت الإشارة إلى الشراكة الاستراتيجية بين قطر ومنظمة الأمم المتحدة، ودور المؤسسات القطرية، مثل صندوق قطر للتنمية، في دعم العديد من الدول والمجتمعات حول العالم. غير أن الأكثر عمقا في خطاب صاحب السمو هو الربط بين التنمية والسلام. إذ أكد سموه أن التنمية لا يمكن أن تنمو في بيئة مضطربة، وأن السلام الدائم هو السلام العادل، وليس التسويات المؤقتة التي تتجاهل جذور الأزمات أو تترك الشعوب تحت المعاناة. وفي هذا السياق، تطرق سموه إلى معاناة الشعب الفلسطيني وحقه في العيش بكرامة على أرضه ووطنه، مشيرا إلى الآثار الكارثية للاعتداءات الإسرائيلية في الحرب الأخيرة، ومؤكدا الحاجة إلى موقف دولي يضمن إعادة الإعمار ودعم الشعب الفلسطيني حتى يصل إلى حقوقه المشروعة. كما تطرق سموه إلى السودان، مسلطا الضوء على ما شهدته مدينة الفاشر في دارفور من أحداث مأساوية، وداعيا إلى حل سياسي يضمن وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. هذه الإشارات السياسية لم تكن خارج سياق القمة، بل جاءت لتؤكد أن التنمية الاجتماعية لايمكن فصلها عن العدالة الإنسانية. فالتنمية هي منظومة قيم ترتبط بالحرية والكرامة والعدالة. ومن هنا يمكن فهم أن كلمة سموه ربطت بين ملفات تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها متصلة في جوهرها: الإنسان. عنصر التحول الأكبر في الخطاب كان الإعلان عن اعتماد «إعلان الدوحة»، الوثيقة التي ستخرج بها القمة بعد مشاورات طويلة بين الدول الأعضاء، والتي تشكل إطارا سياسيا وأخلاقيا لمسار التنمية خلال السنوات المقبلة. هذا الإعلان يمثل نقطة التحول من النوايا إلى التنفيذ، إذ يضع خطة عمل لتعزيز الإدماج الاجتماعي، مكافحة الفقر، خلق فرص العمل اللائق، وتعزيز حقوق الإنسان والكرامة الاجتماعية. أكد صاحب السمو أن نجاح القمة لن يقاس بالبيانات أو بعدد الجلسات، بل بقدرة الدول على تحويل التزاماتها إلى واقع ملموس. هذا الوضوح يعكس فلسفة قطر في إدارة الملفات الدولية: التركيز على النتائج، وليس على الطقوس السياسية. فما يميز قطر خلال السنوات الماضية هو تحويل المبادرات إلى مشاريع، والأفكار إلى مؤسسات، والرؤى إلى إنجازات. هنا يتجلى السؤال المحوري: لماذا أصبح العالم ينظر إلى قطر بوصفها دولة نموذج في التنمية الاجتماعية؟ الإجابة تكمن فيما أبرزته الكلمة من أن قطر تمارس ما تقوله، وتطبق ما تتبناه من رؤى. فهي دولة توسع أثرها في العالم لا بفرض نماذج جاهزة، بل بتقديم تجربة حية يمكن الاستفادة منها، وبتحويل ما تقدمه من دعم إلى شراكات طويلة الأمد، لا إلى مساعدات ظرفية. «من الرعاية إلى التمكين» تفتح كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام قطر والعالم مرحلة جديدة. مرحلة عنوانها الانتقال من المؤتمرات إلى التنفيذ، ومن الخطط إلى التجسيد على أرض الواقع. واستراتيجية «من الرعاية إلى التمكين» تمنح التنمية معناها الأوسع، بينما يفتح «إعلان الدوحة» الباب أمام المجتمع الدولي لبناء التزام جماعي تجاه مستقبل تنموي أكثر عدلا. في ختام كلمة سموه، ظهر بوضوح أن الدوحة لا تريد أن تكون مدينة تستضيف القمم فحسب، وإنما محطة تنطلق منها مشاريع اجتماعية دولية، ومركزا لإعادة صياغة مفهوم التنمية في العالم. في هذا الموقف ترتقي كلمة صاحب السمو من كونها كلمة افتتاحية إلى كونها معلما استراتيجيا في التحول العالمي نحو تنمية تضع الإنسان أولا. وهكذا، تخرج الدوحة من هذا الحدث العالمي بما هو أكبر من تنظيم قمة: تثبيت موقعها كمنصة دولية للمعنى الجديد للتنمية الاجتماعية، الذي يبدأ من الإنسان ويعود إليه، ويجعل من الكرامة الإنسانية أساسا لكل تقدم. @FalehalhajeriQa
مع أول ليلة من رمضان، يشعر الإنسان أن شيئا داخله يعاد ترتيبه بهدوء. كأن هذا الشهر لا يأتي ليغير جدول الحياة، وإنما ليعيد ترتيب القلب نفسه. رمضان ليس زمنا إضافيا في التقويم، وإنما زمن يعود...
في مسار بناء الدول الحديثة، تتقدم بعض الدول بخطوات ثابتة لأنها تدرك أن الثروة الحقيقية تكمن في الإنسان، لا في الموارد وحدها. ضمن هذا الإطار، تشكل جائزة قطر للتميّز العلمي أحد أبرز تجليات الفلسفة التنموية...
جاءت تزكية سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيسا للمجلس الأولمبي الآسيوي تتويجا لمسار طويل من العمل الرياضي المؤسسي، ورسالة واضحة من القارة الآسيوية بأن القيادة في هذه المرحلة تُمنح لمن راكم التجربة، وصنع...
شهدت الدوحة لحظة ثقافية استثنائية مع حفل اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» برعاية وحضور حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في قاعة كتارا بفندقي فيرمونت ورافلز. لم يكن...
تحتفل دولة قطر في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام بذكرى تأسيسها عام 1878م على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني (رحمه الله). وهذه مناسبة وطنية لا تختزلها المراسم والاحتفالات، وإنما تعكس...
شهدت العاصمة الرياض، أمس الإثنين، انعقاد الاجتماع الثامن لمجلس التنسيق القطري–السعودي برئاسة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل...
انطلقت، أمس، أعمال منتدى الدوحة 2025 وسط حضور رفيع، تقدّمه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حيث شكّل وجود سموه في افتتاح الفعاليات علامة على الاهتمام الذي توليه الدولة...
هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها التفكير أهم من البناء، والفكرة أهم من المساحة، والعقل أهم من القوة المادية. في مثل هذه اللحظات يتضح أن الدول التي تملك عقلا منظما ورؤية فكرية واضحة تستطيع أن...
شهدت الدبلوماسية القطرية خلال الأيام الماضية محطة جديدة تعكس حضور دولة قطر في قلب التحولات الإقليمية والدولية، عبر الجولة التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى...
في الخامس عشر من نوفمبر 2025، شهدت الدوحة محطة جديدة في سجل الوساطة القطرية مع توقيع «اتفاق الدوحة الإطاري للسلام» بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف نهر الكونغو، المعروف بحركة الثالث والعشرين من مارس «...
افتُتِحت الدورة الحادية والعشرون من منتدى التعاون بين كوريا والشرق الأوسط تحت شعار «شراكة من أجل السلام والازدهار»، في حدث بدت ملامحه أبعد من تقويم مؤسسي معتاد.جاء المنتدى منظَّما من مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية...
يشهد العالم تحولا غير مسبوق في طبيعة المخاطر التي يواجهها الصحفيون داخل مناطق النزاعات. لم تعد التهديدات مرتبطة بالصدفة أو بخطأ في حسابات الميدان، وإنما أصبحت جزءا من استراتيجية تسعى إلى التحكم بالرواية وإدارة الذاكرة....