


عدد المقالات 350
كلّنا نسمع باسم الله «الستير»، وكلّنا نردده في كثير من الحالات، لكن هل علمنا حقيقته وغاية تسمية الله به؟ وما علاقته بالمجتمعات وسلمها وأمانها؟ وماذا لو استحضرنا هذا الاسم في جوانب حياتنا المختلفة؟ إنّ مدارسة هذا الاسم الجميل من صفات الكمال الربانية يضعنا أمام قضية من أمهات القضايا التي لها مساس بالسلم الاجتماعي، وليس يسهل في خرقها الرتق، وليس يسهل تحاشيها بعد التراخي والتفشي. والستير اسم من أسماء الله الحسنى التي وردت في السنة، فروى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِن اللهَ عَز وَجَل حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِب الْحَيَاءَ وَالستْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ». وقال البيهقي: الستير يعني أنه ساتر على عباده كثيرًا ولا يفضحهم في المشاهد، وكذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم، واجتناب ما يشينهم. وقال ابن الأثير: ستير فعيل بمعنى فاعل؛ أي؛ من شأنه وإرادته حبُّ الستر والصون، قال ابن القيم رحمه الله: وَهُوَ الحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ عِنْدَ التَّجاهُرِ مِنْـهُ بِالعِصْيَانِ لَكِنَّـهُ يُلْقِـــي عَلَيْــهِ سِتْرَهُ فَهُــوَ السِّتِّيرُ وَصَاحِبُ الغُفرَانِ وقد نصّ القرآن الكريم، وسنّةُ صاحبِ الخُلُق العظيم على الزجر الشديد، والضربِ بيدٍ من حديد على دعاة انتهاك حماها المكين، وحصنها الحصين. قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِيْنَ أَوْلِياءَ لِلَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُونَ). من هذه الآية، يستنبط العلماء أن الفخ الأكبر الذي نصبه إبليس الرجيم اللعين لسلالة آدم منذ بدء التكوين هو هتك الحياء، وتبرج النساء، وكشف العورة، وافتراس الغيرة، فمنذ أن اقتادهما إلى هاوية الغرور، وأوردهما المعصية، أخرجهما من دار الحبور، لينزع عنهما اللباس الذي كان لهما وقاءً من ظهور العورة البواح، وسترًا من الافتضاح، فحرص اللعين على أن يريهما السوءات التي لم يرياها في الجنّات. وفي هذه الآية إلماح، بل تصريح وإيضاح، أن الطريقة المثلى والخطة الأدهى والأنكى لإبليس اللعين في نشر الغواية، والتصدي للهداية هي سبيل الشهوات وإماطة الستر عن العورات، وانتشار الكاسيات العاريات، وتعشيش الإباحية والانحرافات. هذا عن خطة إبليس، فماذا عن الدستور الإلهي الناظم لحياة العباد، الرادع للفساد والإفساد؟ لله قوانين ودساتير كثيرة في كل شاردة وواردة من شؤوننا، سبحانه هو القائل: (مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ). أما في مجال الستر وحفظ الحياء، ففيه نصوص كثيرة من الكتاب العزيز، منها قوله تعالى: (إِنَّ الّذِيْنَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الّذِيْنَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيْدٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، نزلت هذه الآية في سورة النور، والتي جاءت براءةً للصدِّيقة بنتِ الصدّيق، أُمُّنَا عائشة - رضي الله عنها - فبرّأها الله من إفك كل أفّاك أَثيم، خاض في أمر يحسبه هينًا، وهو عند الله عظيم، ثمَّ جاءت هذه الآية الكريمة دواء لأصحاب النفوس المولعة بتلقُّطِ روائح الفضائح، وإخبارها للغادي والرائح، ونبَّهَ ربُّنا، جلَّ وعلا، من يسهم في إشاعة الفاحشة في المؤمنين بعذابين في الدارين، لما يسهم فيه من نقضِ العُرى، وانحلال الأواصر، وشيوع الخنا، كما أنه يسهم في استساغة المعصية، فإذا كان المجتمع ستّيرًا محافظًا على حشمته، استوحش صاحب الذنب، فربّما تاب لربّه في عزلته وخلوته. وأمّا كثرة الحديث والنشر عن انتشار الفاحشة والفجور، وتعاطي الخمور، وعظائم الأمور، فمن شأنه أن يخفف الوحشة منها، ويزيد الإقبال عليها، وعدم الإجفال منها، والتوبة إلى الله عنها. وأخيرًا أقول: إنّ اسم الله الستير مجاور لصفته الحييّ، والستر أخو الحياء، بهما تُصان النفوسُ والذمم بين الناس، وبهما تتحقق طمأنينة النفس وسكنها، فتبقى ثابتة على طاعة الله، ترجوه دومًا، وتخشى عذابه، ورحم الله من قال: يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ويبقى العودُ ما بقي اللحـاءُ @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...