


عدد المقالات 343
لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته، وإن من ينفر من الجمال ليس سوى إنسان خالط كيانه زفرة من زفرات إبليس الذي يجمّل القبيح ويقبّح الجميل. وقد رأينا أنّ عظماء الإنسانية يقدّرون الجمال، ويرفعون أعمدته عبر الحضارة الإنسانية، ويظهر ذلك جليًا في آثارهم التي تركوها، وأفعالهم وأقوالهم التي خلّدها محبو الجمال وصانعوه. وفي ذلك يقول سلطان العاشقين، وجذوة التصوف المتلهّبة، وصاحب الروح المولهة المرهّبة، ابن الفارض رحمه الله: أهفو لأنفاس النسيم تعلةً ولوجه من نقلت شذاه تشوفي فالعين تهوى صورة الحُسْن التي روحي بها تصبو إلى معنى خفي إذًا، لا يتوقف ابن الفارض عند الجمال العارض، بل يقتاده النسيم العاطر إلى منجم المكنون، ويأخذه الحسن البادي إلى لباب الحسن المصون، وسحابه المسبل الهَتون. وهذا أبو تمام يعبّر عن الجمال، ناقلًا إلينا بهجة الربيع والربوع، وما ينفح عنها وما يضوع، وما لبست الأرض من حلاها سبحان من كساها، قائلًا: يا صاحــــــبيّ تقَصَّيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تَصوّرُ تريا نهارًا مشمسًا قــــــــد شابه زهر الربا فكأنما هو مقمر دُنيا معـــاشٌ للورى حـــــتى إذا جُلي الربيع فـــــإنما هي منظرُ أضحت تصوغ بطونُها لظهورها نَورًا تكاد له القلوب تنوّرُ مصفرّة محمرّة فكأنها عصبٌ تُيمّـنُ في الوغى وتمضّرُ من فاقع غضّ النبات كأنه درّ يشقق قبل ثمّ يزعفر أو ساطع في حمرة فكأن ما يدنو إليه من الهواء معصفرُ صنعُ الذي لولا بدائع صنعه ما عاد أصفرَ بعد إذ هو أخضرُ تبارك المبدع الصانع، تبارك المغيث الزارع، تبارك من يعطي الأرض زينتها وزخرفها، ثم تصفر ثم تكون حطاما، لوحة بديعة صيغت بكلمات بليغة نابعة عن نفس جميلة تحب الجمال وتنسبه إلى الجميل سبحانه. لقد عمل أبو تمام بقوله تعالى (اُنْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيْنْعِهِ)، وأطاع الله في التفكر والتأمل في الملكوت، فلم يسعه السكوت، بل تفجر من سحر البيان الحلال، لِيَصفَ لنا الدنيا التي تكون معاشًا حتى يأتي الربيع فتكون منتزهًا للسائحين، وكيف يخرج من بطن الأرض النسغ وماء الحياة، فيتحول إلى الزهر والنوار الذي ينور القلوب والأبصار، وكيف اكتست الأرض بأحمر الزهر وأصفره، فكانت كساحة المعركة التي يشتجر فيها جنود المضرية مع اليمانية، ولكل فريق لون مختلف من السوابغ والأقنعة والأمتعة. وأخيرًا، ما أحوجنا إلى تذوق الجمال بنية التعبد والتقرب زلفى إلى الله الجميل، لأننا ونحن جميلون نكون أشد جذبًا ودعوة إلى الله، وأكثر دلالة على آثاره فينا، وآلائه علينا، وحقيقة، إنّ تقصي ضروب الجمال يطول لمن أراد، فهناك جمال الأفعال التي تعكس رتابة الإنسان وإنسانيته وتظهر تمايزه من سائر المخلوقات التي لا تعقل، وهناك جمال القول الذي يترجم معاني الجمال، ويطبب ويؤنس ويواسي، وقد جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا، فمن كان قلبه مكتنزا بالجمال ظهر ذلك على لسانه. كذلك، هناك جمال المواقف عند من يتقنون حسن التخلص واجتناب الإحراج واللجاج وتضييق الحِجاج. جعلنا الله ممن يتذوقون الجمال، فيرتقون في حب الله الجميل، فيكون سمعهم وبصرهم ودليلهم. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...
عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...
إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...
كثيرًا ما نسمع بمفردة المجد، وكثيرًا ما نطلقها في ميادين التعظيم والاعتزاز بالنفس، وبلوغ الغاية في الشرف والسؤدد، فهل عرفنا منبعها ومصدرها وأصلها في اللغة والسياقات المختلفة؟ إن مفردة المجد مشتقة من اسم الله «المجيد»...
ربما يتساءل كثير من الناس عن جمال الله تعالى، ونوره، فيرسمون في مخيلاتهم المتواضعة نماذج متواضعة عن حقيقة جماله سبحانه وتعالى، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في ذلك الجمال: «حجابُه النور،...