


عدد المقالات 344
في فقهنا الحنيف لا تُقام الحدود ولا تُبرم العقود إلا بشهادة الشهود، فمنها ما يقتضي أربعة من الشهود العدول، ومنها ما يقتضي رجلاً وامرأتين «ممن ترضون من الشهداء».. وهكذا تاريخنا العامر وتراثنا الزاخر بالنفائس، إذا أردنا استطلاعه وتثمينه، فعلينا استكثار الشهود واستحضار العيون؛ للإحاطة بأفقه الواسع، والتعمق في أصوله العريقة. ومن خير الشهود على تاريخنا العربي، عدسات المخضرمين التي شهدت عُرف الجاهلية ودين الإسلام، وصوّرت الفارس العربي وهو ينتفض حميةً لتقاليده وقبيلته، والفارس المسلم وهو يقضي نحبه في سبيل الله؛ ولا أدلّ مثالاً على هؤلاء من حسّان بن ثابت يقضي عمره مناصفةً بين الجاهلية والإسلام، ويكتنز التراث من الدفة إلى الدفة، ومن الباب إلى المحراب؛ فتارةً نشاهد عدسته الخزرجية في حروب قومه مع الأوس، وتارةً نشاهد عدسته النبوية حيث حرب الحق والباطل. فمن خزرجياته وصفه: وَأَنشُدُكُم وَالبَغيُ مُهلِكُ أَهلِهِ إِذا الكَبشُ لَم يوجَد لَهُ مَن يُقارِعُه أَلَسنا نُوازيهِ بِجَمعٍ كَأَنَّهُ أَتِيٌّ أَمَدَّتهُ بِلَيلٍ دَوافِعُه كانت عبثية القتال بين الأوس والخزرج كعبثية النطاح بين كبشين، إلا أن حسّان جعل خصومه بغاةً وأن قومه يستنفرون لردّ عاديتهم وكسر شوكتهم كالسيل الذي تنضمّ إليه روافده ليزداد زخمه. ومن نبوياته وصفه: عَرَفت دِيارَ زَينَبَ بِالكَثيبِ كَخَطِّ الوَحيِ في الرَقِّ القَشيبِ ظهر الإسلام على ألفاظه وأنوار عدسته، ففي طريقه لتمجيد بدر الكبرى وتخليد ذكرى الفرقان وزهوق سادة قريش، يستعين بالتراث القرآني في وصف ديار زينب التي شابهت خط الوحي في الرق المنشور.. هكذا التراث الحساني؛ ريشة من نور وريشة من نار، من تناطح الأوس والخزرج في الجاهلية إلى خط الوحي في الإسلام.
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...
عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...
إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...
كثيرًا ما نسمع بمفردة المجد، وكثيرًا ما نطلقها في ميادين التعظيم والاعتزاز بالنفس، وبلوغ الغاية في الشرف والسؤدد، فهل عرفنا منبعها ومصدرها وأصلها في اللغة والسياقات المختلفة؟ إن مفردة المجد مشتقة من اسم الله «المجيد»...