alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 350

عَسَسُ الشعراء

08 ديسمبر 2019 , 02:05ص

يختلف المقصد بين عسس الخلفاء وعسس الشعراء، فالأول يريد به الراعي استطلاع أحوال الرعية، والتقاط الثغرات، واستلام الشكاوى بعين رأسه لا بأعين جنده وبطانته. فكان الفاروق -رضي الله عنه- ينفخ النار، ويحمل الدقيق، ويسمع شجون المغيّبات. أما عسس الشعراء، فكلٌّ معلّق بهواه، ورهين بمقاصده، «قدْ علِمَ كلُّ أُناسٍ مشربَهُم»، وقد شهدنا مشرب عمر بن أبي ربيعة، وخبرنا عسسه وتجواله خلف أطناب البيوت وأخبية الحسان، إلا أننا اليوم مع ليلة الشاعر مرة بن محكان التميمي، وما صوّرته عدسته في تلك الليلة القارسة برداً، الحالكة ظلاماً، وما ساقه من القرائن على القرّ، ومن القرائن على الظلام، فقال: في ليلةٍ من جمادى ذاتِ أَنديةٍ لا يُبصرُ الكلبُ من ظلمائِها الطّنبا لا ينبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ حتى يلفَّ على خيشومِه الذَّنبَا لقد استحكمت فحمة الدجى حتى لا يرى الكلب حبال الخباء التي يقبع بجانبها على ما فيه من حدّة بصر، واستحكم الزمهرير حتى قصّر الكلب في وظيفته التي هي نبح الطرّاق، فلا يكاد ينبح واحدة حتى يستعجل بذنبه ليغطي خياشيمه، فما أوضح ما صوّرت عدسة الشاعر الليلية! وما أدقّ ما نقلت! وما أصدق ما حكت وروت! إلا أن التصوير لم يقف عند هذا الموضع، بل تعداه إلى مشهد إكرام الضيوف في هذه الليلة العصيبة التي لبست فيها الأرض ملاءة من الصقيع، بحسب وصف الشاعر، ولم يمنعه من نفخ النار ونحر الجزور وإقراء الضيف وبرّه، ونحن أمام وصف جديد للجزار والجزور، يقول فيه: زَيافَةٍ بِنتِ زَيّافٍ مُذَكَّرَةٍ لَمّا نَعَوها لِراعي سَرحنا انتَحَبا يُنَشنِشُ اللَحمَ عنها وَهيَ بارِكَةٌ كَما تُنَشنِشُ كَفّا قاتِلٍ سَلَبا لقد أنفق الشاعر مما يحب، ولم يتيمم الخبيث منه، وقرينة ذلك أن راعي الإبل بكى الجزور التي نُحرت وهي ليست ملكه، وأن الجزار تسلق سنامها فاستعصى عليه بلوغ الذروة، فراح يقتطع اللحم منه كما يفتش الفارس سلبه ونهبه ليحصّل منه الأنفال، فيا طيب ما فعل مرة بن محكان! ويا طيب ما قال!

الهندسة الميكانيكية في الحضارة الإسلامية

إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...

ظاهرٌ باطنٌ

كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...

توّاب... يحبّ التوّابين

هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...

ما بين الحمد والشكر

هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...

المرأة في الحضارة الإنسانية

منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...

بكبريائه اهتدوا...

في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...

فلسفة وعبادة

وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...

نفحات الرحمة

جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...

القدوس

ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...

المساجد... منارات علم وحضارة

ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...

الحليم

يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...

من لطائف الإسراء

من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...