alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 341

عَسَسُ الشعراء

08 ديسمبر 2019 , 02:05ص

يختلف المقصد بين عسس الخلفاء وعسس الشعراء، فالأول يريد به الراعي استطلاع أحوال الرعية، والتقاط الثغرات، واستلام الشكاوى بعين رأسه لا بأعين جنده وبطانته. فكان الفاروق -رضي الله عنه- ينفخ النار، ويحمل الدقيق، ويسمع شجون المغيّبات. أما عسس الشعراء، فكلٌّ معلّق بهواه، ورهين بمقاصده، «قدْ علِمَ كلُّ أُناسٍ مشربَهُم»، وقد شهدنا مشرب عمر بن أبي ربيعة، وخبرنا عسسه وتجواله خلف أطناب البيوت وأخبية الحسان، إلا أننا اليوم مع ليلة الشاعر مرة بن محكان التميمي، وما صوّرته عدسته في تلك الليلة القارسة برداً، الحالكة ظلاماً، وما ساقه من القرائن على القرّ، ومن القرائن على الظلام، فقال: في ليلةٍ من جمادى ذاتِ أَنديةٍ لا يُبصرُ الكلبُ من ظلمائِها الطّنبا لا ينبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ حتى يلفَّ على خيشومِه الذَّنبَا لقد استحكمت فحمة الدجى حتى لا يرى الكلب حبال الخباء التي يقبع بجانبها على ما فيه من حدّة بصر، واستحكم الزمهرير حتى قصّر الكلب في وظيفته التي هي نبح الطرّاق، فلا يكاد ينبح واحدة حتى يستعجل بذنبه ليغطي خياشيمه، فما أوضح ما صوّرت عدسة الشاعر الليلية! وما أدقّ ما نقلت! وما أصدق ما حكت وروت! إلا أن التصوير لم يقف عند هذا الموضع، بل تعداه إلى مشهد إكرام الضيوف في هذه الليلة العصيبة التي لبست فيها الأرض ملاءة من الصقيع، بحسب وصف الشاعر، ولم يمنعه من نفخ النار ونحر الجزور وإقراء الضيف وبرّه، ونحن أمام وصف جديد للجزار والجزور، يقول فيه: زَيافَةٍ بِنتِ زَيّافٍ مُذَكَّرَةٍ لَمّا نَعَوها لِراعي سَرحنا انتَحَبا يُنَشنِشُ اللَحمَ عنها وَهيَ بارِكَةٌ كَما تُنَشنِشُ كَفّا قاتِلٍ سَلَبا لقد أنفق الشاعر مما يحب، ولم يتيمم الخبيث منه، وقرينة ذلك أن راعي الإبل بكى الجزور التي نُحرت وهي ليست ملكه، وأن الجزار تسلق سنامها فاستعصى عليه بلوغ الذروة، فراح يقتطع اللحم منه كما يفتش الفارس سلبه ونهبه ليحصّل منه الأنفال، فيا طيب ما فعل مرة بن محكان! ويا طيب ما قال!

المساجد... منارات علم وحضارة

ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...

الحليم

يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...

من لطائف الإسراء

من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...

مدينة القدس

«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...

بصير بنا

إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...

الكتابة بريدُ الإنسانية

إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...

حضارة بامتياز

عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...

إعجاز السمع

إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...

له المجد

كثيرًا ما نسمع بمفردة المجد، وكثيرًا ما نطلقها في ميادين التعظيم والاعتزاز بالنفس، وبلوغ الغاية في الشرف والسؤدد، فهل عرفنا منبعها ومصدرها وأصلها في اللغة والسياقات المختلفة؟ إن مفردة المجد مشتقة من اسم الله «المجيد»...

تذوّق الجمال

لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته،...

حجابه النور...

ربما يتساءل كثير من الناس عن جمال الله تعالى، ونوره، فيرسمون في مخيلاتهم المتواضعة نماذج متواضعة عن حقيقة جماله سبحانه وتعالى، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في ذلك الجمال: «حجابُه النور،...

بصر وبصيرة

ما أعدل الله في توزيعه نعمه! وما أعظم جبره خواطر عباده! ومن معالم ذلك وأمثلته؛ أنه جلّ وعلا نوّرنا بأمثلة من عالم الإنس، يرون بطريقة فريدة غير معهودة، وهم العميان الذين ولدوا بعيون مسلوبة الأنوار،...