alsharq

حسين حبيب السيد

عدد المقالات 182

صناعة المستقبل وفهم إستراتيجيات «فوكا»

07 فبراير 2026 , 10:05م

في عالمنا المعاصر، لم تعد كلمة الاستقرار هي الكلمة المفتاحية في قاموس الإدارة والاستراتيجيات المؤسسية، بل أصبح التغير هي الثابت الوحيد. دعونا في هذا المقال نتعرف على مصطلح مهم في عالم شديد التسارع والتغير، حديثنا اليوم عن مصطلح « «فوكا» – VUCA». لقد انبثق مصطلح VUCA من أروقة الكلية الحربية الأمريكية في تسعينيات القرن الماضي لوصف حالة العالم بعد الحرب الباردة، لكنه اليوم يمثل الواقع اليومي الذي تعيشه المؤسسات، حيث يعرف عالم “فوكا“ بأنها عبارة عن اختصار لأربعة مفاهيم خاصة هي: التقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض، تلك هي الصفات التي تجعل إدارة عملية التحليل أو الاستجابة أو التخطيط معقدة وصعبة، يُعد الفهم الجيد لكيفية تخفيف تلك الصفات من شأنه أن يحسن قدرات القائد الاستراتيجية بشكل كبير ويعطي نتائج أفضل. استخدم اختصار «فوكا» للمرة الأولى في عام 1987م ضمن الكلية الحربية للجيش الأمريكي، والذي نُشر للعلن من قبل هربرت سبنسر باربر في العام 1991م، تم تطويره فيما بعد من خلال مفاهيم القادة « وارن بنيس وبيرت نانوس « في كتابهم الذي نُشر باسم «استراتيجيات تحمل المسؤولية». فمصطلح التقلب (Volatility) يستخدم لوصف سرعة الابتكار والتغيير والتطور الكبير في السوق العقاري والتجاري والصناعي وأي شيء في هذا العالم، وهو أمر متعلق بالاضطرابات وكل التقلبات في الطلب وسط منطقة تنفيذ المشروع، كلما كان العالم أكثر تقلبًا كلما ازدادت سرعة تغير الأمور. بينما مفهوم عدم اليقين (Uncertainty) فهو للتعبير عن مدى التنبؤ بالمستقبل بثقة والقدرة على فهم ما يدور في العالم من الأحداث الجديدة، إذ انَّ البيئات غير المؤكدة حقًا هي بيئات متغيرة يصعب التنبؤ بها، أيضاً كلما كان العالم غير مؤكد كلما ازدادت فرصة صعوبة التنبؤ به. ويأتي مفهوم التعقيد (Complexity) فإنه يشير إلى عدد العوامل التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار وتنوعها والعلاقات فيما بينها، لذلـك مع ازدياد العوامل يزداد تنوعها وتصبح أكثر ترابطًا، وبالتالي يزداد تعقيد البيئة، في البيئات عالية التعقيد يكون من المستحيل تحليل كامل البيئة والتوصل إلى استنتاجات منطقية، وبالتالي كلما كان العالم أكثر تعقيدًا كلما ازدادت صعوبة تحليله. ويُستخدم الغموض (Ambiguity) للإشارة إلى عدم الوضوح في طريقة تفسير الأشياء، يقال عن الحالة أو الموقف إنّه غامض عندما تكون المعلومات أو التفاصيل حوله متناقضة أو غير دقيقة أو غير متوازنة بشكل كافٍ للحصول على استنتاجات واضحة، كلما كان العالم أكثر غموضًا كلما زادت صعوبة تفسيره. بداية دعونا نعمل على تفكيك شيفرة «فوكا» (VUCA) 1. التقلب (Volatility): سرعة وحجم التغيير. لم تعد التغيرات تحدث كل عقد، بل كل يوم. (مثل التغير المفاجئ في التقنيات العلاجية أو السياسات الصحية). 2. عدم اليقين (Uncertainty): فقدان القدرة على التنبؤ بالمستقبل. الماضي لم يعد مؤشراً دقيقاً لما سيحدث غداً. 3. التعقيد (Complexity): تداخل العوامل وتعدد الأطراف الفاعلة. المشكلة الواحدة لها أسباب اجتماعية، تقنية، واقتصادية متشابكة. 4. الغموض (Ambiguity): ضبابية الواقع واختلاط المعاني. غياب الإجابات القاطعة (الأبيض والأسود) وسيادة المناطق الرمادية. ما هي تأثيرات «فوكا « على الأفراد ؟ يقول العديد من الخبراء إنّ عناصر بيئة «فوكا» سوف تزداد سوءًا مع مرور الوقت وتمتد لتنتقل من مجال الأعمال لتشمل جميع مجالات الحياة الأخرى، وبالتالي يتوجب على المرء فهم أكبر لما يهدده بدقة، من العيوب التي تتصف بها بيئة «فوكا» ما يلي: • زعزعة الاستقرار النفسي للأفراد والمجتمع، الأمر الذي قد يسبب مشاكل صحية وقلقا للموظفين وإرهاقا عاطفيا. • تثبيط التطوير الوظيفي الناجح ومنعه وازدياد الحاجة إلى التعلم المستمر نظرًا للتغير في الكفاءات والمهارات المطلوبة للاستمرار في سوق العمل. • الحاجة لتكريس المزيد من الموارد والطاقة للعمل، وقد يكون التعلم الذكي والانتقائي للمواضيع مهماً في هذه البيئة. • تعرض المشاريع طويلة الأجل لخطر الإلغاء والتغيير، وتصبح المنهجيات التقليدية في إدارة المشاريع (Waterfall) غير مناسبة. • ضرورة تغيير ثقافة الشركات وتأثر بيئاتها الداخلية وإعادة النظر في المناهج والاستراتيجيات المتبعة والتقليل من فعالية الممارسات المستخدمة حاليًا. ما هي تأثير «فوكا» على المؤسسات ؟ تؤثر بيئة «فوكا» على المؤسسات في ثلاثة مستويات حرجة: 1. شلل التخطيط التقليدي المؤسسات التي تعتمد على «الخطط الخمسية» الجامدة تجد نفسها اليوم خارج السياق، ففي بيئة متقلبة وشديدة التغيير، تصبح الخطة قديمة قبل أن يجف حبرها ولا تستطيع مواكبة المتغيرات وتمسي هرمة قبل موعدها. هذا يفرض على المؤسسات الانتقال من «التخطيط للاستقرار» إلى «التخطيط للمرونة» أو استخدام المنهجيات الرشيقة في التخطيط والتنفيذ. 2. تآكل الميزة التنافسية ما كان يميز المؤسسة بالأمس (مثل امتلاك جهاز معين أو منهجية وحيدة) قد يصبح عبئاً غداً. التعقيد يفرض على المؤسسات أن تكون في حالة تعلم مستمر لابتكار ميزات تنافسية جديدة تعتمد على المعرفة لا على الأصول المادية فقط. تحتاج المؤسسات إلى العقول المبدعة والمبتكرة بشكل مستمر من أجل المنافسة في بيئة عمل متغيرة. 3. ثقافة الخوف من الخطأ الغموض يجعل الموظفين القادة يترددون في اتخاذ القرارات خوفاً من النتائج غير المتوقعة. إذا لم تقم القيادة بتغيير الثقافة المؤسسية لتتقبل «الخطأ التجريبي» المخطط له، فإن المؤسسة ستصاب بالجمود والبيروقراطية القاتلة. سيصبح الخطأ جزءا مقبولا في ثقافة المؤسسات، فالمؤسسات التي لا تطيق التجريب والابتكار تضحى بعيدة ومتخلفة في العالم. @hussainhalsayed

الاقتصاد القادم للأجيال القادمة... اقتصاد (Gig)

تحدثنا في المقال السابق عن تحولات كبرى في الاقتصاد نتيجة لاقتصاد «الغيغ» أو « المهام المستقلة»، واليوم حديثنا حول التغيرات الكبرى في عالم الاقتصاد. نحن لا نتحدث عن مجرد «تغيير في طريقة العمل»، بل عن...

الاقتصاد القادم للأجيال القادمة... اقتصاد (Gig)

في الماضي، كان مفهوم «الوظيفة» يعني الاستقرار، والالتزام بمكان واحد، ومسار مهني خطي ينتهي بالتقاعد. وكان مفهوم «وظيفة واحدة... عمل واحد... حتى التقاعد». أما اليوم، فنحن نشهد اندثار هذا النموذج والذي كان يسمى نموذج «الوظائف...

شكرا مجلس الشورى

دعيت خلال الأسبوع السابق إلى إحدى جلسات مجلس الشورى مع مجموعة من المهتمين بالمؤسسات التربوية والشبابية وخاصة المراكز الشبابية والثقافية في النوادي الرياضية. حيث دار محور الجلسة الرئيسية حول « دور الأنشطة الثقافية والرياضية في...

كيف تقود «جيل زد» بذكاء؟

المقال السابق قد شخصنا التحديات ورسم خريطة الطريق، فإن هذا المقال المهم يمنح القائد «أدوات العمل» وخطوات تنفيذية للتعامل مع جيل لا يعترف بسلطة المنصب بقدر ما يعترف بسلطة التأثير. في هذا المقال سوف نشرح...

فك شيفرة «جيل زد» (2/2)

تحدثنا في المقال السابق عن تحديات تواجه القادة في التعامل مع الجيل زد، وفي هذا المقال نكمل هذه التحديات. التحدي الرابع: تحدي السلطة والتسلسل الهرمي حيث نشأ جيل زد في عالم الشبكات وليس السلالم، فالإنترنت...

فك شيفرة «جيل زد»

تحدثنا في المقال السابق عن تحديات تواجه القادة في التعامل مع الجيل زد، وفي هذا المقال نكمل هذه التحديات. التحدي الرابع: تحدي السلطة والتسلسل الهرمي حيث نشأ جيل زد في عالم الشبكات وليس السلالم، فالإنترنت...

فك شيفرة «جيل زد» (Gen Z)

في أروقة الشركات اليوم، يحدث تحول كبير ولكن صامت وملموس بخفاء وخاصة مع إدارة الموارد البشرية. لم يعد الأمر مجرد تباين في الأعمار، بل هو صدام بين فلسفتين مختلفتين تماماً حول معنى «العمل» وبيئة العمل...

القيادة الخادمة وعلاقتها بالقادة المستقبليين

لطالما نُظر إلى «القيادة الخادمة» (Servant Leadership) على أنها فلسفة نبيلة وقيادة تاريخية صاغها الأنبياء والمصلحون، ولكنها قد لا تكون ناجحة تماماً في عالم الأعمال الذي تحكمه الأرقام الصارمة. ومع ذلك، ونحن نقف على أعتاب...

تحديات تطبيق القيادة الخادمة في البيئة العربية (2)

تحدثنا في مقالة سابقة عن تحديات تطبيق القيادة الخادمة في بيئة الأعمال، واليوم نغوص بعمق في هذا المفهوم في بيئة الأعمال العربية. تُضيف البيئة العربية تحدياتها الخاصة، والتي تنبع من الموروث الثقافي والاجتماعي وطبيعة الهياكل...

تحديات تطبيق القيادة الخادمة في بيئة الأعمال (1)

تُعد القيادة الخادمة (Servant Leadership)، التي وضع أسسها روبرت ك. جرينليف في مقالته الشهيرة عام 1970، نموذجًا إداريًا يركز على خدمة ورفاهية ونمو الأفراد أولاً، ثم القيادة كأثر طبيعي لتلك الخدمة. وقد تحدثنا في مقالات...

خصائص القيادة الخادمة «3»

يُعزز الوعي العام، وخاصة الوعي الذاتي، القائد الخادم. ويساعد الوعي المرء على فهم القضايا المتعلقة بالأخلاق والسلطة والقيم. إنه يُمكّن من رؤية معظم المواقف من منظور أكثر تكاملاً وشمولية. عادةً ما يكون القادة الأكفاء في...

خصائص القيادة الخادمة (2)

تحدثنا في المقال السابق عن مقدمات في مفهوم القيادة الخادمة، وفي هذا المقال حديثنا حول خصائص القيادة الخادمة. فلسفة القيادة الخادمة تبدأ بشعور طبيعي بالرغبة في خدمة الآخرين ثم يدفعه الاختيار الواعي إلى الطموح للقيادة....