


عدد المقالات 381
ما أرصنَ بنيان اللغة العربية! وما أحكمه! وما أغزر المعاني التي تقع عليها مشتقات جذورها! فمن الجذور التي أستوقفتني والتي أسوقها مثلًا، الجذر «حكم» الذي يقتضي معنى المنع، وفيه قال علماء اللغة، وعليه ساقوا الأدلة والبراهين من دواوين الأولين، أصحاب اللسان العربي المبين، ثم من هذا المعنى الأولي يتفرع باقي المعاني، فتتغير وتتحور، ولكن لا تخلو من علاقة بالجذر الأصلي. من ذلك؛ كانت العرب تسمى حلقة الجلد التي يجعلونها على فم الخيل «الحَكَمَة» وبها يعلقون حبل اللجام، فيتحكمون بجري سير الخيل بين الخَبَبِ والطرد. وسميت بذلك لأنها إذا شدّتْ، منعتْ الخيل من المسير. وقد قال الشاعر جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكـم
إني أخاف عليكمُ أن أغضبـا
أبني حنيفـة إنني إن أهجُكم
أدع اليمامة لا تــواري أرنبــا
ففي هذين البيتين يتوعد جرير صاحب اللسان الفصيح، والهجاء اللاذع القبيح، بني حنيفة؛ بأنه سيجعلهم نكالًا، وسيجزيهم وبالًا، إذا لم يلجموا سفهاءهم، وفيما يبدو أن لديهم من الجهلة أو الشباب الأيفاع من ضايقوا جريرًا، فأرسل إليهم نذيرًا، أنه لو هجاهم فإنه سيهتك ذكرهم، ويفضح أمرهم حتى لا تخفى على الناس خافية من عارهم وشنارهم.
ومن المعاني اللغوية المنبثقة عن الجذر، التحكيم، والذي يكون بين المتنازعين والخصوم، الذين ينظرون في منشأ الاختلاف ثم يحددون مواضع الإجحاف، ويتحرون العدل والإنصاف، ومواضع هذا كثيرة، يقول الله تعالى: }وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا{(النساء: 35).
ومنه قول المتنبي في عتاب سيف الدولة:
يا أعــــــدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحَكَمُ
ومنها ما جاء بصيغة الأمر، كمطلع قصيدة عنترة بن شداد:
حكّم سيوفك في رقاب العذّلِ
وإذا نزلت بـــدار ذل فارحلِ
أي اجعل سيفك حكما على رقاب العذال، وهم الذين يكثرون على المرء الملامة ويثيرون في نفسه الحسرة والندامة، وفي أمثال العرب: «في بيته يؤتى الحكم»، وذلك لما يتمتع به من الفضل ورجاحة العقل والبذل إذا تطلب الأمر، ولذلك يؤتى إلى بيته، ولا يذهب هو إلى بيوت الخصوم.
فلله درّ لغتنا العربية، تلك البحر الزاخر باللآلئ التي تثرينا أدبًا وعلمًا ومعرفةً، فليتنا دائمًا نغوص في محيطها الزاخر لنتفقه ونتنوّر. ورحم الله شاعر النيل (حافظ إبراهيم) إذ يقول في شأن العربية:
أنا البحر في أحشائي الدرّ كامنٌ
فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي؟
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كثيرٌ من الناس يتجادلون في التربية، وبعلاقتها بالأسرة والمجتمع والمؤسسة التعليمية، فتتعدد الآراء المرتبطة بمفهومها، ويختلف الناس حولها، ويكمن مرجع ذلك إلى الاختلاف حول موضوع التربية من جهة، وحول فهم الطبيعة الإنسانية من جهة ثانية،...
قالوا فيها: إنها هبة ربانية مباركة، وبحرٌ لا تنفدُ كنوزُهُ، أنعم الله بها علينا – نحنُ أمةَ العربِ - وهي معشوقةٌ عجزتْ أبياتُ الغزلِ عن الإيفاء بحق جمالِها، وهي بنتُ عدنانَ، وفخرُ ميراثِ الأَجدادِ، إنها...
كلنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30)، لكّن قلة من الناس من تعي معناه، ومقصد دلالته، وإنّ...
تعد التربية ظاهرة اجتماعية؛ كونها لا تجري في فراغ أو من دون مجتمع، ولا يمكن تصور وجود الإنسان فردًا منعزلًا عن مجتمعه أو جماعته في العصور الحديثة. والتربية في أحوالها كلها، لا تهتم بالفرد منعزلًا...
كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...