alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 341

ليلةُ الحمّى

29 ديسمبر 2019 , 01:36ص

سرَينا في مسرى الشعراء، وعسسنا معهم في عسسهم، وعشنا لياليهم المنصرمة عبر عدساتهم وتواتر كلماتهم، التي هيّأت لنا حضور تلك الحفلات والمغامرات التي لم تُقدَّر لنا بالخُطى، فقُدِّرتْ لنا بالرؤى، لم نطأ فيها وادياً، ولم نعبر مفازة، ولم نطلق سهماً، ولم نطاعم ذئباً، ولكننا شاهدنا ذلك المسرح بكل أبعاده وتلفتنا بين تلك المشاهد، وتبصّرنا بكل تلك التفاصيل، وجلسنا على مَدرَج التمثيل بقسيمة الكلمات وقراءة الأخبار وعدسات الأشعار... ولا يحسُن بنا الخروج قبل ليلة مؤلمة مع شاغل الدنيا ومالئ الناس أبي الطيب المتنبي، وبالطبع فهي «ليلةُ الحمّى» زائرة الظلام، وحاملة السقام، وناخرة العظام، وقد بدأ الشاعر وصفها مبدعاً، وانتهى متألقاً: وزائرتي كأَن بها حياءً فليس تزور إِلا في الظلامِ إنها طبيعة المرض وبيولوجيا الأسقام التي تستضعف الجسم عند استرخائه وتخترقه عندما يطفئ مشاعل الحراسة، ويفكّ استنفار المناعة، ويسلم القياد إلى النوم، إلا أن المتنبي اغتنم منها فرصة لوصف رائع، فكأن الحمى عاشقة حييّة وقورة، تتحيّن الظلام لزيارته، فلا يراها الطرّاق، ولا تكثر فيها قالة الناس، ثم ينتهي الوصف بتهكّم الشاعر على طبيبه الذي يناصحه في المأكل والمشرب، ويغفل عن أصل بلائه ومنبت دائه، فيقول: وَمَا في طِبّهِ أَنّي جَوَادٌ أَضَرَّ بجِسْمِهِ طُولُ الجَمَامِ تَعَوّدَ أَنْ يُغَبِّرَ في السّرَايَا وَيَدْخُلَ مِنْ قَتَامٍ في قَتَامِ فأُمْسِكَ لا يُطالُ لَهُ فيَرْعَى وَلا هُوَ في العَليقِ وَلا اللّجَامِ والحال أن انقطاع هذا الجواد عن خوض الغمار، وشقّ الغبار، وركوده بعد فوراته، وخموده بعد ثوراته، هو ما أضرّ به، وأنهك قواه وأخرجه عن نصابه، وقد دقّ الوصف، وحَلَت الصورة وجَلَت، عندما وصف حاله بصورة الجواد الذي عقله صاحبه، فلا ترك الرسن له طويلاً فيصل إلى مرعاه، ولا علّق له دلو الطعام في رأسه، في إشارة منه إلى أن الجواد هو الشاعر، وأن المراعي ساحات معارك، وميادين نزال.

المساجد... منارات علم وحضارة

ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...

الحليم

يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...

من لطائف الإسراء

من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...

مدينة القدس

«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...

بصير بنا

إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...

الكتابة بريدُ الإنسانية

إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...

حضارة بامتياز

عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...

إعجاز السمع

إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...

له المجد

كثيرًا ما نسمع بمفردة المجد، وكثيرًا ما نطلقها في ميادين التعظيم والاعتزاز بالنفس، وبلوغ الغاية في الشرف والسؤدد، فهل عرفنا منبعها ومصدرها وأصلها في اللغة والسياقات المختلفة؟ إن مفردة المجد مشتقة من اسم الله «المجيد»...

تذوّق الجمال

لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته،...

حجابه النور...

ربما يتساءل كثير من الناس عن جمال الله تعالى، ونوره، فيرسمون في مخيلاتهم المتواضعة نماذج متواضعة عن حقيقة جماله سبحانه وتعالى، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في ذلك الجمال: «حجابُه النور،...

بصر وبصيرة

ما أعدل الله في توزيعه نعمه! وما أعظم جبره خواطر عباده! ومن معالم ذلك وأمثلته؛ أنه جلّ وعلا نوّرنا بأمثلة من عالم الإنس، يرون بطريقة فريدة غير معهودة، وهم العميان الذين ولدوا بعيون مسلوبة الأنوار،...