


عدد المقالات 312
أمام مناجاة عينيها سقطت هيبة الدول، وانهزمت نظرية السيادة وملحقاتها من الحقوق المدنية والطبيعة.. هي رضيعة أبصرت الحياة منذ نحو الشهرين.. لكنها سرعان ما فقدت الأمل في الحياة، حين لفظَ والدها الأربعيني روحه بملء إرادته.. عندما قرر الانتحار على وقع أنين جوع بناته الأربع وهي أصغرهنّ. «الدمشقي» اللاجئ إلى لبنان وضع حداً لمعاناته الشهر الماضي، فشنق نفسه بحبل هزيل يشبه هزلية «المجتمع الدولي» وهشاشة العلاقات بين دول «شقيقة» وأخرى «صديقة». كرامة الأب العربي كانت أعز من الروح.. وعجزه كان أكبر من البوح بحاجته لمساعدة إنسانية عبر وسيلة إعلامية معارضة هنا وأخرى موالية هناك.. لجأ إلى الحدود اللبنانية لأنه لم يكن يمتلك حيلة القتال في حرب داخلية كُتبت على الأحرار كما كُتبت على الذين من قبلهم. رحل الأب طوعاً.. وحطّ اللجوء قدراً. ومن سرير دمشقي دافئ بأضغاث «القومية العربية» و «عدالة المبادئ الاشتراكية»، انتقلت الرضيعة مع عائلاتها إلى سقف حجري رطب ما زال صامداً على رؤوس قاطنيه، على أمل أن تنتشلهم شمس «الربيع العربي» من الانهيار في مستنقع «بابل»، أو السقوط في هاوية «التكفير»، وعسى أن تهديهم أشعتها عن الاستسلام لـ «حرية» مستوردة منتهية الصلاحية. قد تغفر هذه الرضيعة لوالدها ضعفه ورحيله عنها مستعجلاً.. لكنها لن تغفر لمن كان شاهدا صامتا على من دسّ لها سُمّ المذهبية في قارورة الحليب. للطفلة الرضيعة وأقرانها من لاجئات سوريات حقوق ليست فقط في رغيف اللبنانيين، بل في مساندتهم على العبور من الموت إلى الحياة على جناح «طائر الفينيق» الذي لا يُحلّق في سماء لبنان إلا بإيعاز سياسي.. وبين مطرقة حق اللجوء الإنساني لما يزيد على 172 ألف لاجئ سوري في الأراضي اللبنانية، وسندان الأمن الاجتماعي والعسكري اللبناني.. تبقى السياسة اللبنانية بعيدة كل البعد عن المأسسة الإنسانية في معالجة قضية اللاجئين السوريين في لبنان.. إذ لم يُتخذ القرار السياسي بإنشاء مخيّم للاجئين السوريين في لبنان لاعتبارات عديدة، منها الداخلي حيث ستسعى الأحزاب اللبنانية إلى توظيف قضية اللاجئين كورقة تجاذبات رخيصة.. ومنها الخارجي حيث لا مجال لمحاكاة هذه المعاناة في ظل «النأي بالنفس» اللبناني الرسمي عن الأزمة السورية. أزمة تتحكم بمفاصلها اعتبارات لوجيستية مع غياب القدرة على رصد وتسجيل كل اللاجئين، بالإضافة إلى غياب نوايا جدية لإنشاء مخيم إنساني قد يتحوّل لعبء اجتماعي يضاف إلى رصيد لبنان. وفيما يفرغ الرصيد اللبناني في أيام السلم ويمتلئ بالعملة الخضراء أيام الحرب.. يبقى الحال في مرحلة «النأي بالنفس» مرتبطا بالمواقف السياسية الدولية المختلفة، فلا مورد عربي أو أممي تكفل بتغطية تكاليف اللاجئين السوريين عبر قنوات الدولة اللبنانية.. لأن كفّة الميزان غلبت لمصلحة الثقة بقنوات الجمعيات و «التنسيقيات»، على حساب حكومات لبنانية لوّعت الصناديق العربية وأذاقتهم مرارة آليات توزيع الهبات بعيدا عن المعيار الإنساني. وبعد.. كم من «دمشقي» سينتحر شنقا هرباً من جوع رضيعته.. وكم من «فاطمة» و «عائشة» و «بشرى» و «مروة» ستُباع على مذابح المزايدات السياسية، وستُندّس شاميتها في سرداب انحلال اجتماعي يُشرّعه «زواج» قاصرات مقابل بخس الكيل والميزان.. وكم من لاجئ جامعي سيغدو وراء القضبان.. وكم من ربّة منزل ستتحول لخادمة.. وكم من «منتحر» لن يستطيع أن يدفع ثمنك أيتها الحرية.. أن يحمل وزرك أيتها العروبة!
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...
«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...
الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب...
لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط. من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم...
التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى في العلاج الصحيح، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كلّ مسار لاحق، سواء في الطب أو في السياسة أو في حياتنا اليومية. فبقدر ما يكون التشخيص دقيقاً، تكون الاستجابة فعّالة،...
المطلوب من الجميع التحلّي بأخلاقيات «اللعب النظيف» ولو ليوم واحد بالسنة، إذا تعذر ذلك في بقية العام. ومن الأفضل أن يكون ذلك في 19 مايو. فالأمم المتحدة تحتفل بـ «اليوم العالمي للعب النظيف» للعام الثاني...
هل نحن أمام تحولات زمنية عابرة أم مشهد مُنسّق بعناية؟ لقد اجتمع كبار القادة العسكريين في وزارة الحرب الأمريكية وصنّاع القرار في الحكومة الأمريكية، وشركات الصناعية الدفاعية، في 23 أبريل، للإعلان عن تحقيق «التقدّم» في...
كشف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مؤخراً أنه يدرس بجدية انسحاب بلاده من (الناتو) بعد امتناع الحلف عن الانضمام إلى الحرب الإسرائيلية الأمريكية -الإيرانية. يأتي هذا التهديد بعد أشهر قليلة من توقيع ترامب مذكرة رئاسية تقضي...
وافقت واشنطن على وقف إطلاق النار لمدّة أسبوعين، في وقت يتزامن مع تراجع شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أدنى مستوياتها، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مع تنامي خطر فقدان الحزب الجمهوري لأغلبيته الضئيلة. ويأتي...
من يتحكم بالتكنولوجيا يتحكم بنا، أحببنا هذه الحقيقة أم كرهناها. التكنولوجيا مفروضة علينا من كل حدب وصوب، فأصبحنا أرقامًا ضمن أنظمة رقمية سواء في أماكن عملنا عبر أرقامنا الوظيفية أو بطاقتنا الشخصية والائتمانية، وحتى صورنا...