


عدد المقالات 351
لم ييأس النابغة الذبيانيّ في ليله الطويل من بارقة أمل بصبح، ولم يفلس وهو في متاهة خوفه من حسن ظنّه بعفو النعمان عنه، فأشعل ليلته بالرجاء، واشتغل على خوفه باستدرار شفقة مليكه، ومخاطبة جانب العظمة عنده، واستثارة عطفه كسيّدٍ على تذلّل خادمه بين يديه، وهنا تبدع عدسة النابغة في تماهيه وخفض جناحه أمام النعمان لإشباع ذاته، وإرضاء غروره، والحصول على صكّ الغفران الثمين الذي ينتشلُه من لياليه المدلهمة، ويؤنس وحشته، ويهدئ روعه، فكان التوسّل والتسوّل على أعتابه في منزلة شموع ومشاعل، أوقدها في ظلمات خوفه وفي ظلمات الليل من حوله، أو تعويذات وتمائم علّقها في عنقه، فقال: فإِنكَ كاللّيلِ الّذي هو مُدركي وإِنْ خلتُ أَن المُنتأَى عنكَ واسعُ لا تكاد تخرج صورة الليل من قلبه، ولعلّه من شدة ما عاناه، رأى أن يشبّه به النعمان الذي لا مفرَّ منه، ولا منجى من سوط عذابه، فقد استيأس الشاعر من الفرار الذي لن يُخرجه من حوزة الملك، فجعل الملك كنواميس الطبيعة التي ينفعل الإنسان لها ولا تنفعل له، مهما رحبت الأرض واتّسع الفضاء، وفُتحت أمامه المسالك، وطُويت له المسافات، فلن يبتعد عن متناول يد الليل، ليس الليل فحسب، فللنابغة رأيٌ آخر في النعمان: فإِنكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌ إِذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكبُ فلا تتركنّي بالوعيدِ كأَنني إِلى الناسِ مطليٌّ به القارُ أَجربُ ما لبث الشاعر أن استعان بالشمس في مديح النعمان، واستعان بالأجرب المنبوذ في تقذيع نفسه، وقد أحسن اختيار الأمثال وآلية المقارنة بين النعمان ونظرائه، إذ جعل للنعمان الفضل عليهم بآية النهار المبصرة التي استفرد بشمسها، وتركهم يتقاسمون المناصب الدونية في آية الليل الممحوة، هذا عن حصص الملوك، أما الحصة التي أعطاها لنفسه، فهي الجرب والقير ونفور العشير.
حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...