


عدد المقالات 342
دواوين الشعراء معالم سياحية يرتادها المتذوقون، ويزورها الراغبون، ويدمنها الفصحاء، ويكون الإِدمان بمقدار ما ترك الشاعر خلفه من عبق وأثر، وبمقدار ما صورت عدسته من مشاهد لافتة، وأبدعت ريشته من رسوم وجسوم، وبقدر ما سخّر من فطنته لتخليد عصره، وما نفخ من روحه في كلماته، وقد مررنا على بعض معالم البحتريّ الشاعر الوصّاف صاحب العدسة الأخّاذة والمسرح الجذاب، فأدمنّا المرور، واستطبنا المقام، واستزدنا من تلك المدام، وها نحن في ضيافته وفي نزهة حول بركته التي تُنسب إليه بوصفه شاعراً قد وصفها وصفاً يفوق نسبتها إلى الخليفة المتوكل الذي بناها وصنعها، ولولا كلمات البحتريّ لانقطعت أخبارها، وغيض ماؤها، وتحوّل بهاؤها، ولكنّها لا تزال إلى اليوم تتدفق من كلمات البحتريّ كأنَها ببريقها ونقائها، سيلاً من الفضة المذابة، ولا تزال تنفرد في مجاريها متسارعة متتالية كما تخرج الخيل من إصطبلها: تَنْحَطُّ فيها وُفُودُ المَاءِ مُعْجِلَةً كالخَيلِ خَارِجَةً من حَبْلِ مُجرِيهَا كأَنَّما الفضةُ البيضاءُ سائلةً من السبائكِ تجري في مجارِيها قد يعجب السامع من وصف تدفق الماء بخروج الخيل من حظائرها، إلّا أن انسجاماً رائعاً لفتنا إليه الشاعر بينهما من حيث التدفق وعدم الانقطاع، كان هذا وصفاً للماء المتحرك فيها، فما بال الماء الراكد الذي تؤول إليه الأمواه، لم يغفله الشاعر من وصف لائق به؟ فالريح تداعب وجهه، فتجعله مسروداً كدرعِ الفارس الذي يتوشحه للحرب، والليل يجعل منها مرآة للسماء: إِذا علتْها الصِّبا أَبدَتْ لها حبكاً مثلَ الجواشنِ مصقولاً حواشيها إِذا النجومُ تراءَتْ في جوانبِها ليلاً حسبتَ سماء رُكّبتْ فيها يتخذ البحتريّ نهجاً طفولياً في التشبيه عندما يشبّه انعكاس السماء في البركة بسماء ثانية، وهذا ديدن الطفل في تأويل المشهد عندما يراه، قد اقتصر عليه الشاعر، لما فيه من نقل صادق وموافق وتصوير دقيق للمشهد.
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...
عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...
إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...
كثيرًا ما نسمع بمفردة المجد، وكثيرًا ما نطلقها في ميادين التعظيم والاعتزاز بالنفس، وبلوغ الغاية في الشرف والسؤدد، فهل عرفنا منبعها ومصدرها وأصلها في اللغة والسياقات المختلفة؟ إن مفردة المجد مشتقة من اسم الله «المجيد»...
لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته،...
ربما يتساءل كثير من الناس عن جمال الله تعالى، ونوره، فيرسمون في مخيلاتهم المتواضعة نماذج متواضعة عن حقيقة جماله سبحانه وتعالى، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في ذلك الجمال: «حجابُه النور،...