


عدد المقالات 342
كانت الساعات القصيرة تطول بأبي فراس في سجنه، ويضيق بها ذرعاً، وكانت الليالي تطول بالمتنبي مع حُمّاه وبلواه، فتستثقلها نفسه، فيبوح شعره بألمه، وكانت هذه الليالي لا تستغرق إلا سكرة وصحوة في موازين أبي نواس، وبرهة وختلة في موازين عمر بن أبي ربيعة، وهكذا هو الدهر في عدسات الشعراء، منهم من يصوّره بطيئاً متثاقلاً، ومنهم من يصوّره سريعاً عابراً، وما ذاك إلا لأن فريقاً منهم تحشرج وتنغّص بمعيشته فثقُلت عليه، واستبطأ مضيّها، وفريقاً آخر استمتع بحياته، فمرّت عليه سريعاً حتى شعر بالغُبن وبالفوت وذهاب الشباب وقرب الموت، فطول الوقت وقصره لا يحسب حسبة واحدة عند الفرِح والمهموم، بل لكلٍّ منهما حسبته الخاصة التي تتواءم مع طبيعة ظرفه، وحال إحساسه ومشاعره، وذاك المتنبي الذي صوّرت عدسته ليله المترنح مع الحُمّى، يصوّر لنا تسارع ذلك العهد الذي قضاه في صباه، قائلاً: ذكرْتُ بهِ وَصْلاً كأَنْ لم أَفُزْ بِهِ *** وَعَيْشاً كأَنّي كنتُ أَقْطَعُهُ وَثْبا ما أسرع ما قضى ذلك العهد، وتعدّى تلك الآونة! هكذا تمرّ أيام السعد وفترات الرخاء، سرعان ما تتحول عن صاحبها أو يتحول عنها، ذهبت أيام الوصل بحلاوتها وهناء عيشها كأنها لم تكن من قبل، وكأنه كان يقفز فوق تلك المراحل ويمرّ بها مرور الكرام، لينتهي به المطاف إلى المشيب والآلام والأسقام، وفي مثل هذا يقول عنترة: وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ *** كما ينمو مشيبي في شبابي لقد استفحل حبّ عبلة في روحه، وتمكّن من فؤاده كما تفاقم الشيب على حساب الشباب، وقد اختار الشاعر هذا القياس لعلمه أن ليس هناك أعجل من زوال الشباب إلى الكهولة، وأفول بدر التمام، ليعود كالعرجون القديم، وذبول ربيع العمر وحلول خريفه.
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...
عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...
إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...
كثيرًا ما نسمع بمفردة المجد، وكثيرًا ما نطلقها في ميادين التعظيم والاعتزاز بالنفس، وبلوغ الغاية في الشرف والسؤدد، فهل عرفنا منبعها ومصدرها وأصلها في اللغة والسياقات المختلفة؟ إن مفردة المجد مشتقة من اسم الله «المجيد»...
لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته،...
ربما يتساءل كثير من الناس عن جمال الله تعالى، ونوره، فيرسمون في مخيلاتهم المتواضعة نماذج متواضعة عن حقيقة جماله سبحانه وتعالى، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في ذلك الجمال: «حجابُه النور،...