


عدد المقالات 342
عميقاً في الجاهلية الأُولى، حيث عقر دار الجاهلية، وغَيابة جُبِّها، ومتاهة غسقِها، بعيداً إلى الوراء، حيث لا وراء للشعر الفصيح إلا قليلاً، يصوّرُ لنا امرؤ القيس بمنظاره الجلي مشاهد خاصّة، فيقرّبُها إِلى متناول أَعيننا حتى نراها، وإلى مدى أَسماعنا حتى نسمعَها، وإلى أُفق جوارحِنا حتى نتحسسَها، ويشتبه علينا؛ أَحَضَرْنا هذه المشاهد أَم حضَرَتْنا. في المكان القصي الذي اعتزل فيه الشاعرُ قومَه. وكما هو مسمًى في قصيدتِه «دارة جُلجُل»، يقيم امرؤ القيس مأدبة للعذارى فيعقر مطيّته، ويقتربُ منظاره الفصيح أكثر ليناظر العذارى وهنّ يأتدمْنَ من لحمها وشحمها، فيقول: فظلّ العذارى يرتمين بلحمِها وشحمٍ كهدّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتّلِ من قرأَ هذه الكلماتِ، فقد حضَر تلك المأدبة بما فيها، ورأَى شحم الذبيحة المترهلِ كأَنه الحريرُ المنسدلُ، فما أَقربَ هذا المشهدَ من ذاك! وما أَشبهَ هذه الصورة بتلك! وقليلٌ من العدسات الفصيحة ما يمكنُها التقريبُ إلى هذا الحد، إلا إن كان الشاعر ذاته يريدُ تصويرَ مشهدٍ آخرَ للأُسودِ التي أَغرقها السيلُ المنحدر: كأَن السباعَ فيه غرقى عشيّة بأَرجائه القصوى أَنابيشُ عُنصُلِ عندما أَقلعت السماءُ، وبلَعَت الأَرضُ، وغِيضَ الماءُ، بقيت جيفُ بعضِ الأُسود مرمية في جوانب الوادي، كأَنها غراسُ البصلِ البرية المقتلعة من جذورها، ولعل الأَسدَ، باللُّبْدَة حول رأسهِ وقد غشيَهُ الماءُ، أَقربُ ما يكونُ صورة إِلى غرسة عنصلٍ مقتلعةٍ، وقد نفشتْ جذورُها المليئة بالأَتربة كرأس الأَسد. الجاهلية بعيدة عنا بُعدَ القمر، والمنظارُ المتاح هو الشاعر وأَدواته اللغوية والبلاغية، فهناك منظارٌ مُشوّشٌ، وهناك منظارٌ يرينا ملامحَ القمرِ بواحاً. فلينظر أَحدنا بأَي منظار ينظر إلى مفردات عصره، وقيمه وواقعه، لعل ذلك يصوّب كثيراً من الأُمور، ويغيّر كثيراً من الوقائع تغييراً يعود بالنفع على الفرد نفسه وعلى مجتمعه.
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...
عرفت البشريةُ حضارات عديدة، وكان لكلِّ حضارةٍ نمطُ عيشٍ معيَّنٍ، يتلاءَمُ معَ طبيعةِ تفكيرها وإدارتها شؤونَ حياتها، وكان العُمرانُ ميزةً فارقةً للحضارات، تعبِّرُ من خلالِهِ عن مدى رُقِيِّها ونُضْجِها، ومدَّةَ عيشِها وقوَّتِها، وامتدادِها، وعناصرَ أخرى...
إنّ من أعظم جوانب إعجاز الله في أسمائه، إعجازه في اسمه السميع الذي اقترن غالبًا، بالعليم، ثم بالبصير، ثم بالقريب، وفي كل مكان اقترن بالعليم جاء مقدّمًا عليه، وهو أشد وقعًا، وأسرع نفعًا في التحقق...
كثيرًا ما نسمع بمفردة المجد، وكثيرًا ما نطلقها في ميادين التعظيم والاعتزاز بالنفس، وبلوغ الغاية في الشرف والسؤدد، فهل عرفنا منبعها ومصدرها وأصلها في اللغة والسياقات المختلفة؟ إن مفردة المجد مشتقة من اسم الله «المجيد»...
لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته،...
ربما يتساءل كثير من الناس عن جمال الله تعالى، ونوره، فيرسمون في مخيلاتهم المتواضعة نماذج متواضعة عن حقيقة جماله سبحانه وتعالى، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في ذلك الجمال: «حجابُه النور،...