


عدد المقالات 326
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي لن تنطلق فيه الدولة من سؤال: من يُشبهني؟ بل: من يجعلني أقوى؟
وفي هذا التحوّل يمكن قراءة تفوّق جزئي للمدرسة البراغماتية الأمريكية في السياسة الخارجية العربية، بل في إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد. فالمنطقة التي نشأت فيها التحالفات، تاريخيًا، إلى حد كبير على أساس الروابط القومية، أصبحت أكثر استعدادًا لتجاوز حدود الهوية. تقليديًا، اتسم الشرق الأوسط بهويات سياسية تتحرك ضمن دوائر متداخلة: خليجية، عربية، وإسلامية، ثم شبكة من العلاقات الدولية خارج هذه الدوائر. وقد تحوّلت الهوية السياسية العربية إلى تحالفات إقليمية ومشروعات سياسية. فجامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945 استندت إلى مفهوم الرابطة العربية، ثم جاءت معاهدة الدفاع المشترك لتنتقل بمستوى هذه الرابطة إلى مفهوم الأمن الجماعي.
ثم بلغ منطق الهوية ذروته مع الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا (أعوام 1958-1961) وتجاوزت القومية العربية فكرة التحالف إلى دمج دولتين في كيان سياسي واحد، بالتوازي مع تجارب أخرى مثل: الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والأردن عام 1958. والقيادة العربية الموحدة عام 1964 في مواجهة إسرائيل، والقيادة السياسية الموحدة المصرية العراقية عام 1964 والتحالفات العسكرية العربية في حربي 1967، ومن ثم مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ومجلس التعاون العربي عام 1989، واتحاد المغرب العربي عام 1989. أما اليوم، تتضح بوصلة الشرق الأوسط الجديد الذي تنكمش فيه الهوية في إنتاج التحالفات الاستراتيجية، ويتشكل فيه نظام من الشبكات المتقاطعة تتحرك فيه الدولة داخل أكثر من دائرة في الوقت نفسه وتتقاطع داخله الهويات مع شبكات المصالح والأمن والطاقة والتكنولوجيا والقوة العسكرية.
ربما يُقدم الخليج أوضح مثال على ذلك، فدول الخليج العربي التي تشترك في اللغة والدين والتاريخ والأنظمة السياسية المتقاربة، والانصهار الاجتماعي والثقافي، وتواجه اليوم أخطر التحولات الأمنية في محيطها عجزت عن تحويل هويتها الخليجية إلى قوة عسكرية في «ناتو خليجي» وانطلقت في البحث عن القوة ضمن دوائر مختلفة.
فالإمارات اختارت منذ اتفاقات أبراهام بناء علاقة استراتيجية مع إسرائيل التي تقع خارج الدائرة العربية والخليجية والإسلامية، وبنت هويتها الاستراتيجية حول التجارة والتكنولوجيا والموانئ والربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. أما السعودية التي اتجهت في مسار مختلف نحو تركيا وباكستان، فقد استندت إلى الدائرة الإسلامية للانطلاق من موقعها كقوة في مجموعة العشرين ولاعب مركزي في أسواق الطاقة العالمية. وتركيا، التي تتفاخر بقوميتها ارتكزت في اتفاقية مكة على عضويتها في حلف شمال الأطلسي وامتداداتها في آسيا الوسطى والبلقان والقوقاز. وباكستان، الدولة الإسلامية ارتكزت على قوتها النووية. وهنا يمكن فهم أهمية الشراكة بين الهند وإسرائيل أيضًا. ففي حين ترتبط الهند بشراكات اقتصادية واسعة مع دول الخليج، إلا أنها ارتبطت مع حكومة إسرائيل باتفاقيات في مجالات: الدفاع والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، والابتكار، والتجارة.
في الشرق الأوسط الجديد لن تكون الهوية المعيار الذي يُحدد موقع الدولة أو شركائها أو خصومها. وما عجز إيران اليوم عن تحقيق نتائج حاسمة في الصراع الحالي على أساس الهوية الأيديولوجية والتحالفات المذهبية إلا مؤشر على ذلك. ستصبح البراغماتية لغة النظام الإقليمي المقبل، فهل من يُتقنها جيداً؟.
@snasser24
ثمة مؤشر قد يكشف الوجه الحقيقي للنظام العالمي الجديد أكثر من الأسئلة التقليدية التي تدور حول مَن سيحكمه: الولايات المتحدة أم الصين أم مجموعة من الأقطاب المتنافسة؟ وهو مدى استعداد العالم، بدوله ومنظماته وأفراده، لقبول...
مع العودة إلى المدارس، يعود موسم مألوف من الفيروسات. تبدأ العدوى من الحالة صفر بأول طفل يُصاب في الصفّ، ثم تنتقل إلى زملائه ويحملها كلٌّ منهم إلى أسرته، ومنها إلى أماكن عمل الوالدين. وخلال أيام...
تأسست إسرائيل عام 1948 على احتلال الأرض وتهجير أصحابها بالقوة، ثم تحويل هذه القوة إلى واقع دائم لتُكرّس معادلة واضحة لا تحتاج إلى فقهاء في السياسة لإدراكها، ولا إلى تصريحات رسمية للتأكد منها: فالتغيير الديموغرافي...
صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه مؤخرًا بوصف قطر بأنها «دولة معادية»، فيما ذهب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الذي يسعى للعودة إلى السلطة أبعد من ذلك، داعيًا إلى التعامل معها كعدو وإطلاق حملة...
من الغريب أن يعيش الإنسان اليوم في عصر التقدّم العلمي والذكاء الاصطناعي، والطبّ الدقيق، والثورة الرقمية، ثم يجد نفسه أمام ظواهر اجتماعية يُفترض أنها قد انتهت منذ زمن، مثل: التنجيم، وقراءة الطالع، والتعاويذ، والطلاسم. ففي...
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...