


عدد المقالات 264
في حياتنا نلتقي بالكثير من الأشخاص، ونستمع إلى العديد من الكلمات والوعود، ونبني أحيانًا ثقتنا على ما نسمعه من عبارات جميلة عن الوفاء والدعم والاهتمام. لكن مع مرور الوقت ندرك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن الكلمات مهما كانت مؤثرة لا تكفي وحدها، فالمواقف هي الاختبار الحقيقي الذي يكشف صدق الإنسان ونبل أخلاقه. فالكلمة قد تُقال في لحظة، أما الموقف فيبقى شاهدًا على صاحبه ما بقي الأثر.
من وجهة نظري، لا يُقاس الإنسان بعدد الوعود التي يطلقها، بل بعدد الوعود التي يفي بها.
فالوعد مسؤولية، والكلمة أمانة، وقيمة الإنسان تظهر عندما تتحول أقواله إلى أفعال. فكم من شخصٍ أكثر من الحديث عن المساندة والوفاء، لكنه غاب عندما جاءت لحظة الاحتياج، وكم من شخصٍ لم يُكثر من الكلام، لكنه حضر في الوقت المناسب، فكان موقفه أبلغ من ألف وعد.
وقد قيل: «الأفعال أبلغ من الأقوال»، وهي حكمة تختصر الكثير من التجارب الإنسانية، لأن الناس قد تنبهر بالكلمات، لكنها لا تمنح ثقتها إلا لمن يثبت صدقه بالفعل. وقد أحسن الإمام الشافعي حين قال:
سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها
صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ مُنصفا
فصدق الوعد ليس مجرد خلق حسن، بل هو أساس الثقة، والثقة هي الركيزة التي تقوم عليها العلاقات الناجحة في الأسرة والعمل والمجتمع.
وفي زمنٍ كثرت فيه الوعود، أصبح الوفاء بها قيمة نادرة. وليس العيب أن يعجز الإنسان عن أمرٍ خارج إرادته، وإنما العيب أن يعد وهو لا ينوي الوفاء، أو أن يتراجع عند أول اختبار، أو يختار الهروب والصمت وهو قادر على أن يصنع فرقًا. فالمواقف لا تكذب، ولا تجامل، بل تكشف حقيقة النفوس مهما حاولت الكلمات أن تُخفيها.
ومن أسمى صور المواقف الإنسانية أن يبادر الإنسان إلى مساعدة غيره إذا كانت المساعدة في متناول يده. فالمساعدة ليست فضلًا يتباهى به الإنسان، وإنما خُلُقٌ كريم، وقيمة تربوية، ورسالة إنسانية، وعبادة يُبتغى بها وجه الله تعالى. فصاحب الأخلاق لا ينتظر مقابلًا، ولا يبحث عن شكر، وإنما يرى أن الخير أمانة، وأن الله يبارك فيمن يجعل من قدرته وسيلة لإسعاد الآخرين وتخفيف معاناتهم.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: إذا كنت قادرًا على المساعدة، فلماذا تتردد؟ ولماذا يختار البعض الهروب أو التوقف، وهم يملكون القدرة على الوقوف مع غيرهم؟ إن أعظم المواقف ليست تلك التي تُعلن أمام الناس، بل تلك التي يعلمها الله، ويكون دافعها الإخلاص والرحمة وحب الخير. وقد قال رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، فكل موقف خير يقدمه الإنسان يعود إليه قبل أن يصل إلى غيره، لأن الأخلاق لا تضيع عند الله، بل تُثمر محبة في الأرض وأجرًا في السماء.
إن الأخلاق الحقيقية لا تُقاس بحسن الحديث، وإنما بحسن التصرف. فالرحمة، والوفاء، والتعاون، والصدق، واحترام الوعود، كلها قيم لا معنى لها إذا بقيت حبيسة الكلمات. الأخلاق تظهر عندما نفي بوعد، ونحفظ عهدًا، ونقف مع محتاج، ونساند ضعيفًا، ونفرح لنجاح غيرنا كما نفرح لأنفسنا.
ويؤكد القرآن الكريم هذه القيمة العظيمة بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، فالوفاء بالعهد ليس خيارًا، بل مسؤولية، كما أن المبادرة إلى الخير ليست تفضّلًا، بل انعكاس لما يحمله الإنسان من إيمان وأخلاق.
وفي خضم الحديث عن المواقف، لا ينبغي أن ينصرف التفكير إلى من أخلفوا وعودهم فحسب، بل إلى أولئك الذين جعلوا من الوفاء نهجًا ومن الأخلاق أسلوب حياة. فهم يستحقون منا كل الامتنان والتقدير، لأنهم يثبتون بأفعالهم أن الخير لا يزال حاضرًا، وأن الكلمة إذا خرجت من صاحب مبدأ أصبحت عهدًا لا يُنقض، وأن الموقف الصادق يترك أثرًا يفوق أثر أي حديث جميل. ختاماً، لا بد من أن نقف بكل امتنان أمام أولئك الذين جعلوا من وعودهم عهدًا لا يُنقض، ومن مواقفهم رسالة وفاء، ومن أخلاقهم أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
@najat.bint.ali
نعيش اليوم في عالم لا يتوقف عن الركض؛ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم المسؤوليات، وتتقلص المساحات المخصصة للراحة والتأمل والتواصل الإنساني. نستيقظ على إشعارات الهواتف، ونمضي ساعاتنا بين الأعمال والالتزامات، وننتقل من مهمة إلى أخرى، حتى...
في لحظة صامتة، تمتد عصا بيضاء أمام صاحبها، تلامس الأرض بحذر، ثم تعود إليه بإشارة صغيرة تقول: هنا طريق، وهنا خطوة آمنة. وبين كل لمسة وأخرى، يولد معنى عميق للامتنان؛ امتنان للقدرة على مواصلة السير،...
نعيش اليوم في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا وتتطور وسائل التواصل بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح العالم بين أيدينا، وأصبحت المسافات مهما ابتعدت لا تتطلب سوى ضغطة زر لنرى من نحب ونتحدث إليهم. لكن وسط هذا...
عندما نتحدث عن نجاح الأبناء، غالبًا ما تتجه أنظارنا إلى النتائج والشهادات والإنجازات، وننسى أن وراء كل نجاح إنسانًا صغيرًا أو شابًا يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأنه محبوب، ومقبول، ومسانَد. فالأبناء لا...
حيث يجتمع العالم تحت مظلة الأمم المتحدة، جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملاً رسائل تتجاوز حدود السياسة إلى...
في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي بصورة غير مسبوقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة، بل أصبح تحولًا يعيد تشكيل طريقة تفكيرنا وعملنا وتواصلنا، ويفتح آفاقًا جديدة أمام المؤسسات والمجتمعات. ومن هذا المنطلق، جاءت...
يمثل تدشين وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي سياسة إدارة سلوك الطلبة خطوة وطنية وتربوية مهمة، تعكس وعيًا بأهمية بناء الإنسان قبل بناء المعرفة، وترسيخ القيم والسلوك الإيجابي في شخصية أبنائنا، خاصة أن السياسة تحمل شعارًا...
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتعدد فيه المنصات، وتتسع فيه مساحة التأثير، لم يعد الإعلام مجرد مهنة تقوم على نقل الأخبار والمعلومات، بل أصبح مسؤولية حقيقية تتعلق بصناعة الوعي، وتوجيه الرأي العام، وبناء جسور التواصل...
ليست كل عودة مجرد عودة إلى المكان، فبعض العودة عودة إلى الذات. بعد أيام من الابتعاد عن ضغوط العمل وروتين الحياة، تأتي لحظة العودة من الإجازة، تلك اللحظة التي نغادر فيها أجواء الراحة والسفر واللقاءات...
في زحام الحياة، وكثرة المسؤوليات، وتعدد العلاقات، قد ينشغل الإنسان بكل شيء من حوله وينسى أهم علاقة في حياته؛ علاقته بذاته. نبحث عن السلام في الأماكن، وفي الأشخاص، وفي الظروف، ونظن أن هدوء الحياة من...
في زمن أصبحت فيه الكلمة تُكتب في ثوانٍ، وتنتشر في لحظات، ويستطيع أي شخص أن يبدي رأيه في حياتنا وقراراتنا ومواقفنا، أصبحنا بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مهارة قد تبدو بسيطة، لكنها في...
بين فهم الذات، وقراءة الآخر، وإدارة الاختلاف… مهارة إنسانية تتجاوز العلاقات الاجتماعية ففي عالم تتسارع فيه وسائل التواصل، وتتقارب فيه المسافات، وتتعدد فيه الثقافات ووجهات النظر، لم تعد القدرة على التواصل مع الآخرين كافية؛ بل...