alsharq

حسين حبيب السيد

عدد المقالات 215

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 أكتوبر 2026
لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا
د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين 22 أكتوبر 2026
تأملات في إعجاز القرآن: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ»
رأي العرب 23 أكتوبر 2026
تقدير أمريكي لدور قطر في الوساطة

احتراق النجوم في بيئة العمل (2)

30 مايو 2026 , 10:39م

في مقالنا السابق، تحدثنا عن ظاهرة النجوم واحتراقها في بيئة العمل، في هذا المقال سوف نتحدث عن محور يمسّ وتراً حساساً جداً في الفكر الإداري الحديث، ويُعرف عالمياً بـ «لعنة الكفاءة». 
بداية، السؤال المهم لماذا تقع الإدارات والقيادات في فخ تحميل النجم فوق طاقته؟ حقيقة أن الوقوع في هذا الخطأ غالباً لا ينبع من سوء نية، بل من ممارسات إدارية غير واعية، تبررها ثلاثة أسباب رئيسية:
• استسهال المدير لمنطقة الراحة: حيث المدير يقع تحت ضغط الوقت والنتائج ومتطلبات الإدارة العليا، وعندما تظهر مهمة حرجة، يتجه عقله تلقائياً إلى الموظف النجم لأنه يضمن النتيجة والسرعة والدقة في الأداء. الإدارة هنا تختار الطريق الأقصر لراحتها على حساب طاقة الموظف.
• «عقوبة الكفاءة» وغياب العدالة التوزيعية: في بعض البيئات، يُعاقَب المتميز بزيادة العمل، بينما يُكافَأ الموظف المتكاسل بنقل المهام منه إلى غيره بحجة أنه لا يستطيع، لا يعرف تنفيذ العمل، ذلك الموظف ضعيف ويحتاج إلى تدريب. هذا الخلل يحوّل الإنتاجية العالية إلى عبء على صاحبها، ونتيجة لذلك فإن النجوم المتلألئة تبدأ في الاحتراق المهني وتبحث عن الهروب. 
• إدارة الأفراد لا إدارة المنظومة: كثير من الإدارات تفشل في بناء ما يُعرف بنظام عمل مؤسسي محترف، وتعتمد بدلاً من ذلك على النجوم أو الأبطال الخارقين. ففي غياب الحوكمة الواضحة وتوصيف المهام المرن يجعل المؤسسة رهينة لجهد المتميزين فقط.
السؤال الجوهري هنا: ما أثر هذا السلوك على بيئة العمل؟
هذا السلوك الإداري وآثاره التدميرية تتجاوز الموظف نفسه لتطول المنظومة كاملة:
• تحول بيئة العمل إلى الاتكالية الصامتة: عندما يرى بقية الموظفين أن زميلهم المتميز يحمل العبء الأكبر، يتولد لديهم شعور بالراحة لعدم العطاء، ويبدأ ينمو مبدأ خطير في الفريق: «لماذا أجتهد وأتميز إذا كان التميز سيجلب لي المزيد من الصداع والمزيد من التعب؟»
• قتل بيئة الإبداع وتحويل النجوم إلى الآلات انتاج: التميز يحتاج إلى مساحة ذهنية للتفكير والابتكار، ولكن عندما يُغرق المدير هذا النجم بالتفاصيل والمهام اليومية المكررة، يتوقف عقله عن الإبداع، ويتحول من مبتكر ومبدع وصاحب أفكار إلى منفذ مرهق تنخفض جودة مخرجاته تدريجياً.
• اختفاء المواهب: النجوم لا يبقون في بيئات تستنزفهم بلا تقدير حقيقي. الأثر الحتمي والأخطر هو الاستقالة المباشرة أو «الاستقالة الصامتة» بحيث يطفئ الموظف محركاته ويعمل بالحد الأدنى، أو الاستقالة الفعلية والانتقال إلى المنافسين.
 كيف نحقق التوازن بين الإنتاجية والصحة النفسية والجسدية؟
هذا السؤال يمثل بيت القصيد في الفكر الإداري الحديث؛ فالمعادلة لم تعد الإنتاجية أو الصحة النفسية، بل أصبحت الإنتاجية من خلال الصحة النفسية والجسدية. 
تحقيق هذا التوازن ليس مسألة حظ، بل هو ثقافة مؤسسية تُبنى من خلال أربع ركائز أساسية:
• الانتقال من «ثقافة الحضور» إلى «ثقافة الأثر والنتائج»: المدير الذكي لا يقيس تميز النجم بعدد الساعات التي يقضيها وهو منهك وراء مكتبه، بل بجودة المخرجات وقيمتها. التركيز على الإنتاجية يمنح الموظف مساحة للتنفس وتجديد طاقته دون الإخلال بالعمل.
• مأسسة حق الفصل الرقمي واحترام الحدود: من أكبر مسببات الاحتراق هو استمرار تدفق رسائل العمل والبريد الإلكتروني في أوقات الراحة والإجازات. وضع حدود صارمة تحترم وقت الموظف الخاص يتيح لجسده وعقله التعافي.
• تبني القيادة بالتوجيه الشخصي (Coaching Approach): تحول المدير من دور المراقب وصاحب الأوامر إلى دور الموجّه والكوتش. هذا يعني عقد جلسات دورية لا لمتابعة المهام فقط، بل للاطمئنان على الإنسان خلف الموظف.
• المرونة وإعادة تصميم الوظائف (Job Redesign): الإنتاجية المستدامة تشبه الماراثون بخلاف الجري سريعاً لمسافة قصيرة.
ما هو الأثر المترتب على هذا التوازن؟
عندما تشعر النجوم بأن صحتها النفسية والجسدية خط أحمر للمؤسسة، يحدث تحول مذهل، حيث تتضاعف معدلات الولاء المؤسسي وتنخفض نسب الغياب المرضي وطلب الإجازات المفاجئة وتتحول بيئة العمل إلى مغناطيس جاذب لأفضل الكفاءات في السوق.
ليتذكر القادة والمديرون أن الإنتاجية دون صحة نفسية هي استنزاف مؤقت ينتهي بالانطفاء، والصحة النفسية دون إنتاجية هي ركود. النجاح الحقيقي لأي مؤسسة هو أن تجعل موظفيها يقبلون على العمل بشغف، ويعودون إلى منازلهم بطاقة وصحة جيدة، فالموظف السعيد والمستقر نفسياً هو موظف ينتج أضعافاً وبحب.

 

 @hussainhalsayed

القيادة من المنتصف (7): فخ «الصمت المريح».. كيف يتجنب قائد المنتصف الاستكانة للوضع القائم؟

في الأجزاء السابقة من سلسلة «القيادة من المنتصف»، رسمنا معاً الخريطة الميدانية لعبور الإدارة الوسطى؛ بدءاً من الخروج من «فخ السندويش الإداري»، ومروراً بمهارات «المترجم الاستراتيجي»، و»التأثير الأفقي»، و»إدارة العلاقة صعوداً»، و»حماية الفريق»، ووصولاً إلى...

القيادة من المنتصف (5): حماية الفريق وصناعة الأمان النفسي

في مقالاتنا الأربعة السابقة من سلسلة «القيادة من المنتصف»، تعمقنا في تفكيك «تحدي السندويش الإداري»، ومهارة «المترجم الاستراتيجي»، وآليات «التأثير الأفقي «، وفن «إدارة العلاقة صعوداً». واليوم، نصل إلى دور هو الأهم في بناء الثقافة...

القيادة من المنتصف (4): القائد.. كيف تكون شريكاً للإدارة العليا؟

في المقالات الثلاث الأولى من سلسلة «القيادة من المنتصف»، ناقشنا كيفية التعامل مع «تحدي السندويتش الإداري»، ومهارة «المترجم الاستراتيجي» في تفكيك الشعارات الكبرى، وآليات «القيادة بلا صلاحيات» للرد والتأثير أفقياً مع الأقران. واليوم، نصل إلى...

القيادة من المنتصف (3): « تحدي القيادة والتأثير أفقياً»

في المقالين السابقين من سلسلة «القيادة من المنتصف»، تناولنا كيفية الخروج من « تحدي السندويتش الإداري» ، ثم انتقلنا إلى مهارة «المترجم الاستراتيجي» في تحويل الرؤى الكبرى إلى مهام تشغيلية. واليوم، نصل إلى اختبار إداري...

القيادة من المنتصف (2).. المترجم الإستراتيجي.. كيف تحول الشعارات الكبرى إلى مهام يومية؟

في مقالنا الأول من سلسلة «القيادة من المنتصف»، فككنا أبجديات الخروج من «تحدي السندويتش الإداري» وكيفية إدارة الضغط المزدوج بين الإدارة العليا والميدان التشغيلي. واليوم، ننتقل لبناء أحد أهم المهارات النوعية التي تنقل قائد المنتصف...

سلسلة القيادة من المنتصف «1»

تحدي «السندويتش الإداري».. كيف يدير قائد المنتصف الضغط المزدوج؟ إذا كانت الإدارة العليا هي «الرأس» الذي يرسم الرؤى والتوجهات الاستراتيجية، وكانت الطواقم التشغيلية هي «الأيدي» التي تنفذ المهام الميدانية، فإن مدراء الإدارة الوسطى ورؤساء الأقسام...

سنة أولى قيادة (10): بناء الإرث المؤسسي

على مدار تسعة مقالات متتالية من سلسلة «سنة أولى قيادة»، فككنا معاً الخريطة السلوكية والنفسية للتحديات التي تواجه القادة الجدد؛ من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، وتحول «الهوية المهنية»، وضبط «حماس التغيير المتسرع»، وممارسة «الذكاء...

سنة أولى قيادة: التحدي التاسع: فخ «نعم سيدي»

في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، قطعنا شوطاً كاملاً في تشريح التحولات الجوهرية للقيادات الجديدة؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية»، وكبح جماح «التغيير المتسرع»، واختبار «الذكاء...

سنة أولى قيادة (8): تحدي استنزاف الذات

في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، فككنا التحديات الهيكلية والسلوكية التي تشكل الوعي الإداري للقائد الجديد؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية «، وكبح جماح «التغيير المتسرع»،...

سنة أولى قيادة (7) فخ تجنب المواجهة.. كيف يدير القائد الجديد المحادثات الصعبة؟

في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، قطعنا شوطاً مهماً في تفكيك التحولات الهيكلية والنفسية التي تشكل تجربة القيادات الجديدة؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية المهنية من...

سنة أولى قيادة (6) تحدي القيادة 360 درجة.. الأقران أم الإدارة العليا ؟

في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. وفي...

سنة أولى قيادة (5): صعوبة اتخاذ القرار في بيئة غامضة

في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. التحدي...