


عدد المقالات 121
شهر رمضان شهر الخيرات والبركات، والكف عن المحرمات. فرض الله تعالى صيامه على المسلمين، وعلل الصيام بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183].
ومن التقوى الحياء، وحفظ الأبصار عن رؤية الحرام، وحفظ الأسماع عن سماعه، ومعصية النظر إلى الحرام تكاد تكون المعصية الأكثر وقوعا في هذا الزمن، بل هي الأكثر، ويقترن بها في الغالب معصية سماع الحرام، وإن كان النظر إلى الحرام أكثر من سماعه.
وقد أمر الله تعالى المؤمنين، وأمر كذلك المؤمنات بغض البصر، لأن ذلك مقتضى الإيمان والمراقبة، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ● وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:30-31].
كذلك فإن حفظ البصر يعين على حفظ الفرج، وحفظهما معاً يحفظ الإنسان من الندامة يوم القيامة، فالنظرة المحرمة إذا كانت سهماً مسموماً، فإن المتأذي بذلك هو القلب، إذ كلما أُطلق البصر في الحرام، أوغل القلب في الظلام، وعلاه الدغل والران، وربما ارتد هذا الران المظلم سواداً في البصيرة، تعمى به عن رؤية الحق أو تعشى عن إدراك الهدى، حيث تختلط الأمور على المرء، فلا يكاد يعرف معروفاً أو ينكر منكراً، أو يتذوق للحق حلاوة، ولا للباطل مرارة.
وإن حلاوة الإيمان تورِّث أحاسيس سامية، فيها عوض وسلوى عما يخدع به الشيطان اللذائذ المحرمة، لكن الله تعالى يعلم ضعف الإنسان، ويعلم أن الامتناع التام عن النظر غير ممكن من المكلف البصير، ولهذا كان أمره سبحانه أن يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، ولم يقل: يغضوا أبصارهم، فاكتفى منا بالجد في المجاهدة في كف النظر عن الحرام، بحيث إذا أصاب البصر نظرة إلى حرام، نازعت النفس صاحبها حتى لا يثنِّي هذه النظرة تعظيماً لأمر الله، وقد قال النبي ﷺ لعلي (رضي الله عنه): يا علي: لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة.
وغض البصر وحفظ الفرج إن كان فيه كف للنفس عن أسباب المهالك فإن له أيضاً مقابلاً، بل إن مقابله لا يقابله شيء من متاع الدنيا ولو حيزت، ولا تعادله زخارفها ولو اكتملت، قال عليه الصلاة والسلام: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجله أضمن له الجنة»، ولما كان غض البصر هو أكبر معين على حفظ الفرج؛ قدِّم غض البصر على حفظ الفروج في الآية؛ لأن النظر بريد الفاحشة، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد والقدرة عليه أصعب.
السلف الصلح وغض البصر
عني السلف الصالح (رضي الله عنهم) بغض البصر عناية عظيمة فوجدنا منهم مواقف ومواعظ في هذا الباب تنبئ عن علو همتهم في هذا، ومن ذلك قول أنس رضي الله عنه: إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك.
ويقول أبو الحسين الوراق (رحمه الله): «من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهدي بها سامعوه ومن غض بصره عن شبهة نور الله قلبه بنور يهتدي به إلى طريق مرضاته».
قال القرطبي (رحمه الله): «البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله».
وقال ابن الجوزي (رحمه الله): «كان في عصرنا أبو الحسن بن أحمد الحربي، لا يمشي إلا وعلى رأسه طرْحة، ليكف بذلك بصره عن الانطلاق».
كل هذه الآثار عن السلف لتدل على خطر النظر إلى المحرمات، وما يسببه من فساد القلب، فمن أراد صلاح قلبه في هذا الشهر الكريم فليجتنب المحرمات، وليغض بصره عنها، وليحفظ سمعه منها، ولو مكث أكثر وقته في المسجد لئلا يشاهد المحرمات، وكان أبو هُرَيْرَةَ وأَصْحَابُهُ إِذَا صَامُوا قَعَدُوا في المَسْجِدِ، وقَالَوا: (نُطَهِّرُ صِيَامَنَا).
والمؤمن مأمور بغض بصره عما حرم الله عليه في الأحوال والأزمان كافة، ويكون الأمر أشد في شهر رمضان؛ إذ هو شهر العبادة، وشهر التقرب إلى الله سبحانه، فلا يليق بالمؤمن أن يفعل في هذا الشهر ما يبعده عن ربه، وهو أحوج ما يكون قريباً إليه.
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...