


عدد المقالات 125
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه كما يحمل المؤمن رسالته، فكانت جزءًا من تكوينه العلمي والدعوي، ومحرّكًا أساسيًا لمسيرته في الحياة.
نشأ السباعي في بيئةٍ علميةٍ أصيلة، تربّى فيها على معاني الدين والالتزام، فاجتمع له الفهم العميق للنصوص الشرعية مع الحسّ الحيّ بقضايا الأمة. ولم يلبث أن أدرك مبكرًا أن العلم إن لم يتحول إلى عمل، والدعوة إن لم تتصل بواقع الناس، فإنها تبقى ناقصة الأثر. ومن هنا جاءت فلسطين لتكون الميدان الذي تتجلى فيه هذه الرؤية؛ ميدانًا يجمع بين الكلمة والموقف، وبين الفكر والجهاد.
وعندما اشتعلت الأحداث في فلسطين، لم يقف السباعي موقف المتفرج، بل كان من الذين بادروا إلى الفعل، فشارك في الجهاد إلى جانب المجاهدين، معبرًا عن فهمٍ عميقٍ لمعنى النصرة في الإسلام، حيث لا تنفصل العقيدة عن الواقع، ولا ينفصل العلم عن التضحية. لقد أدرك أن فلسطين ليست مجرد أرضٍ محتلة، بل رمزٌ لكرامة الأمة، ومقياسٌ لصدق انتمائها لدينها.
ولم يكن جهاده مقتصرًا على الميدان العسكري، بل امتد إلى ميدان الفكر والتربية؛ إذ عمل على بناء وعيٍ إسلاميٍّ يربط الأجيال بقضيتها الكبرى، ويُنشئها على معاني المسؤولية والالتزام. فكان يكتب ويخطب ويعلّم، مؤكدًا أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان، وأن النصر لا يكون إلا بعودة الأمة إلى دينها وقيمها.
وفي كتاباته وخطبه، كانت فلسطين حاضرةً بوصفها قضيةً مركزية، لا تقبل التهميش ولا التأجيل. وكان يرى أن معركتها ليست معركة شعبٍ وحده، بل معركة أمةٍ بأكملها، وأن التخاذل عنها ليس مجرد تقصيرٍ سياسي، بل خللٌ في الفهم والوعي والالتزام. ومن هنا دعا إلى وحدة الصف، وإحياء روح الجهاد، وبناء الإنسان المسلم القادر على حمل الأمانة.
لقد جمع السباعي بين صفات العالم والمجاهد والمربّي، فكان نموذجًا فريدًا في زمانه؛ عالمًا لا ينعزل في كتبه، ومجاهدًا لا ينفصل عن فكره، ومصلحًا يرى في كل جهدٍ خطوةً نحو نهضة الأمة. ولذلك بقي أثره ممتدًا بعد وفاته، حيًّا في الفكر والحركة، وفي كل من تأثر بمنهجه وسار على دربه.
إن صفحات جهاد مصطفى السباعي مع فلسطين ليست مجرد تاريخٍ يُروى، بل هي درسٌ متجددٌ في معنى الالتزام، ونموذجٌ يُحتذى في الجمع بين العلم والعمل، وبين الدعوة والجهاد. وفي زمنٍ كثرت فيه الشعارات وقلّ فيه الفعل، تبقى سيرته شاهدًا على أن الأمة لا تُبنى بالكلام وحده، بل بالرجال الذين يحملون قضاياها في دمائهم، ويترجمونها واقعًا حيًّا في حياتهم.
المراجع
• هكذا علمتني الحياة، مصطفى السباعي، 1962، دار الوراق، دمشق.
• السيرة الذاتية للشيخ مصطفى السباعي، عدنان سعد الدين، 1990، دار القلم، دمشق.
• مصطفى السباعي: الداعية المجاهد، محمد عمارة، 1998، دار الشروق، القاهرة.
• الإخوان المسلمون في سوريا: دراسة تاريخية، محمود عبد الحليم، 1980، دار الدعوة، القاهرة.
• أعلام من الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، محمد أحمد الراشد، 2001، دار ابن كثير، دمشق.
• دور العلماء في الجهاد الإسلامي المعاصر، يوسف القرضاوي، 2005، مكتبة وهبة، القاهرة.
• فلسطين في فكر قادة الحركة الإسلامية، مجموعة باحثين، 2010، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت.
قبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئاً عما يجري في الآماد البعيدة من السماء، فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عداً،...
تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...
إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...