


عدد المقالات 124
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة، والإيثار ونكران الذات، والصبر والرضا، والاجتهاد النوعيّ، والجرأة في قول الحقّ، والرحمة والرقّة، وحرارة العاطفة، ورهافة الحسّ والشعور، والمروءة والسماحة، والتواضع الشديد، وحبّ البساطة، والمزاح وحبّ الدعابة، وغير ذلك من الصفات القياديّة.
ولقد قام الدكتور عدنان محمّد زرزور في كتابه الماتع والجامع عن حياة السباعيّ بذكر تلك الصفات مع المواقف شارحاً ومفصّلاً لتلك الأخلاق والصفات القياديّة الحميدة في كتابه (مصطفى السباعيّ الداعية والمجدّد).
- مرضه ورحيله:
لقد ضرب السباعيّ - رحمه الله – على المرض الذي استبدّ به سبع سنوات عجاف أروع الأمثلة في تاريخ الرجال، وفي تاريخ الإيمان في هذا الصبر، بوصفه إلى درجات عظيمة في الرضا بقضاء الله وقدره.
ومن أقواله في مرضه - رحمه الله -: «إذا أمرضك فأقبلت عليه منحك الصحّة، وإذا عافاك فأعرضت عنه فقد أمرضك».
وقال تحت عنوان (ستّة تهوّن المصيبة): «ستّة أشياء إذا ذكرتها هانت عليك مصيبتك: أن تذكر أنّ كلّ شيء بقضاء وقدر، وأنّ الجزع لا يردّ عليك القضاء، وأنّ ما أنت فيه أخفّ ممّا هو أكبر منه، وأنّ ما بقي لك أكثر ممّا أخذ منك، وأنّ لكلّ قدر حكمة لو علمتها لرأيت المصيبة عين النعمة، وأنّ كلّ مصيبة للمؤمن لا تخلو من ثواب أو مغفرة او تمحيص أو رفعة شأن أو دفع بلاء أشدّ، وما عند الله خير وأبقى».
أُصيب الدكتور السباعيّ - رحمه الله – بارتفاع ضغط الدم، وظهرت عليه أعراض مرض السكّر، فكان يعالج أمراضه بالأدوية والعقاقير، غير أنّه ما كان ليخلد إلى الراحة والهدوء، وفي عام 1957م وبعد عودته من رحلته العلميّة إلى الاتّحاد السوفييتيّ هجم عليه المرض وأخذ منه أكثر نصفه الأيسر، ولكنّه - رحمه الله -كره القعود والراحة واستمرّ يتابع نشاط إلقاء دروسه ومحاضراته الجامعيّة، وكان أهمّ وأكثر نتاجه العلميّ في مراحل حياته الأخيرة، حيث كان يختلس القلم والقرطاس بعيداً عن أعين الأطبّاء الذين أشاروا عليه بالابتعاد عن التفكير والاجتهاد، وقد ضرب أسمى آيات الصبر خلال أيّام مرضه فكان دائماً شاكراً لله ممتنّاً لعطائه وابتلائه، وكان شعره يعبّر عن تضرّعه ودعائه وانكساره بين يدي الله (عزّ وجلّ) وإيمانه ورضاه بقضاء الله وقدره، والتوجّه إليه سبحانه أن يهبه الصبر ويثبّته على الطريق، وممّا قاله فيها يخاطب مولاه سبحانه:
أراك جميلاً في فعالك كلّها
فهل أنت راضٍ أم تُرى أنت مغضب
ولكن ظنّي فيك أنّك معتقي
وأنّك تدنيني ولست تعذّب
وقد ختمها بقوله:
وأنزل على قلبي الجريح سكينة
وأحسن ختامي ليس لي عنك مذهب
ومن أشاعره في إيمانه بالقضاء والقدر قوله:
طال سقمي وطال فيه عنائي
ليت شعري متى يصحّ الجريح
شدّة إثر شدّة تتوالى
ها أنا اليوم في الفراش طريح
لست آسى على لذائذ عيشٍ
أو على الجاه أو الشباب أنوح
غير أنّي انتُزعتُ من بين صحبي
فارساً معلّماً بجسمي جروح
قدر الله لا يُردّ بسخط
ليس إلّا الخضوع والتسبيح
يا سهام الأقدار خلّي عنّي ثلاثاً
هي عندي وجه الحياة الصبيح
اتركي لي عقلي أفكّر فيه
وعيوني أغدو بها وأروح
ويدي تملأ الصحائف علماً
وبلاغاً وبالشجون تبوح
وقال:
حسبي الله لا أريد سواه
هو أنسي وفي حماه أريح
ربّ لولاك ما استطعت ثباتاً
في طريقي ولا سمت بي روح
وفي ظهر يوم السبت الواقع في 27 من شهر جمادى الأولى عام 1384ه الموافق الثالث من شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) 1964م انطفأت الشعلة المتوقّدة، وهدأت الحركة الدائبة، وتوقّف القلب الكبير، وهكذا كانت نهاية المطاف رحلة أبديّة إلى البارئ بعد أن ترك للأجيال - رحمه الله -تاريخاً زاخراً بالمآثر الخالدة، وانطلقت جنازته من بيته في حيّ أبي رمّانة بدمشق قبل ظهر اليوم التالي لوفاته، ومضى بها الحاضرون للصلاة عليها إلى جامع بني أميّة الكبير، وقد غصّ المسجد بعشرات الألوف من المصلّين، وكان الشعور بالفجيعة وفراغ الساحة يملأ النفوس، وتمّ دفنه في مقبرة الباب الصغير التي ضمت الكثير من أجساد الصحابة والتابعين.
وقال الأستاذ ضياء الدين الصابونيّ - رحمه الله – في رثائه في قصيدة بعنوان (نم في أمان الله):
اليوم مات العلم في الفيحاء
إذ غاب عنها حجّة العلماء
يا مصطفى قد كان نعيك فجعة
أبكي البلاد وفتّ في الأعضاء
فاليوم تبكيك القلوب جميعها
في الشام، في بغداد، في صنعاء
نم في أمان الله يا علم الهدى
نم مستريح البال في نعماء
فلقد ختمت بحجّة مبرورة
وزيارة الهادي أبي الزهراء
كان الشيخ الدكتور مصطفى السباعيّ - رحمه الله -ممّن تتلمذت على كتبهم، وعشت مع أفكاره وسيرته العطرة، وشكّلت لي جزءاً من ثقافتي الدينيّة والفكريّة، أعلى الله ذكره في المصلحين، فكانت كتبه حتّى اليوم منارات يستضيء بها طلّاب العلم حتّى يومنا هذا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ.
- أخلاقنا الاجتماعيّة.
- من روائع حضارتنا.
- عظماؤنا في التاريخ.
- المرأة بين الفقه والقانون.
- السيرة النبويّة: دروس وعِبَر.
- هكذا علّمتني الحياة.
ملاحظة: هذه المقالة ضمن سلسلة من 6 مقالات عن حياة الشيخ مصطفى السباعي وشهادتي به. وهذه معلومات مستقاة من مسودة كتاب عن مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح والسياسة.
تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...
إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...