alsharq

د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عدد المقالات 124

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 26 أغسطس 2026
بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

من التحرر إلى الرسالة الخاتمة.. اكتمال المشروع الحضاري في دعوة الأنبياء

27 أغسطس 2026 , 10:21م

تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل في الرسالة المحمدية التي جعلها الله هداية للناس كافة. ولم يكن الأنبياء أصحاب دعوات روحية منعزلة عن واقع أقوامهم؛ فقد واجهوا الاستبداد، وصححوا موازين القيادة، وأقاموا الحق في الحكم، وربطوا العلم بالأمانة، والقوة بالرحمة، والتمكين بالشكر. وبذلك غدت النبوة منبعاً للمشروع الحضاري الذي يحرر الإنسان من عبودية الخلق، ويعيد بناء حياته على العبودية لله والعدل بين الناس.
بلغ الاستبداد ذروته في عهد فرعون؛ فقد علا في الأرض، وقسم أهلها جماعات متفرقة، واستضعف بني إسرائيل، وقتل أبناءهم واستحيا نساءهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: 4]. وفي قلب هذا النظام نشأ موسى عليه السلام بعناية الله، ثم أرسله ربه إلى فرعون، وأمره مع هارون أن يبدآ بالقول اللين: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. فاللين هنا أدب في الخطاب، لا تنازل عن الحق؛ إذ واجه موسى ادعاء الربوبية، وطالب بإطلاق بني إسرائيل، وأقام الحجة من غير خوف ولا فظاظة.
وجمع فرعون السحرة ليهزم رسالة موسى أمام الناس، فلما رأوا العصا تبتلع ما صنعوا أدركوا، بحكم خبرتهم، أن ما شاهدوه ليس سحراً، فخروا سجداً وآمنوا برب موسى وهارون. ولم يردهم تهديد فرعون بالقتل والصلب؛ لأن المعرفة حين تتحرر من الخوف تقود صاحبها إلى الحق. ثم توالت الآيات على فرعون وقومه، فكانوا ينكثون كلما كشف الله عنهم العذاب، حتى أُمر موسى بالخروج ببني إسرائيل. ولما صار البحر أمامهم وفرعون وراءهم قال موسى بيقين المؤمن: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، فانفلق البحر ونجا المؤمنون وغرق فرعون وجنده.
غير أن سقوط الطاغية لم يكن كافياً لبناء الأمة؛ فقد حمل بنو إسرائيل في نفوسهم آثار الاستعباد، واحتاجوا إلى شريعة وتربية طويلة تعلمهم معنى الحرية والمسؤولية. وهذا من أعمق دروس قصة موسى: إزالة المستبد قد تقع في لحظة، أما إزالة آثاره من النفوس فتحتاج إلى إيمان وتعليم وصبر؛ لأن الإنسان الذي اعتاد الخضوع قد يعيد إنتاج الطغيان بعد رحيل صاحبه إذا لم تتغير قيمه.
وبعد مرحلة الضعف طلب بنو إسرائيل قائداً يجمعهم، فاختار الله طالوت، واعترضوا لقلة ماله، فجاء الميزان القرآني: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]. فالقيادة لا تستحق بالنسب والثراء، وإنما بالكفاءة العلمية والقدرة على تحمل المسؤولية. ثم اختبر طالوت جنوده بالنهر، فتراجع الأكثرون وثبتت القلة، لتظهر سنة التمحيص التي تميز أصحاب اليقين من أسرى الحماسة العابرة.
وبرز داود عليه السلام في جيش طالوت، وقتل جالوت، ثم آتاه الله الملك والحكمة، وأمره أن يجعل العدل غاية سلطانه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: 26]. فالسلطة في هدي النبوة أمانة، والهوى يفسد الحكم حين يجعل رغبة الحاكم فوق حقوق الناس. وألان الله لداود الحديد، فجمع في دولته بين العبادة والعدل والصناعة والقوة الحامية للمجتمع.
وورث سليمان أباه في النبوة والعلم والملك، فأقام دولته على التنظيم والتثبت والشكر. وحين جاءه الهدهد بخبر مملكة سبأ لم يتعجل تصديقه أو عقابه، وقال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27]. ثم دعا ملكة سبأ بالحكمة، وانتهى اللقاء بإسلامها لا بتدمير مملكتها. ومع ما سخره الله له من أسباب القوة بقي واعياً بأن التمكين امتحان، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. فالشكر يحفظ القوة من الغرور، ويوجهها إلى خدمة الحق.
وجاء عيسى ابن مريم عليه السلام مجدداً للإيمان والرحمة، معلناً منذ مهده عبوديته لله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]. دعا إلى التوحيد، وأحيا معاني البر والتزكية، وكوّن الحواريين لحمل الرسالة، ثم بشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فكانت دعوته حلقة تصل رسالات بني إسرائيل بالرسالة الخاتمة.
وجاء محمد ﷺ خاتم النبيين، مصدقاً لإخوانه من الرسل، فبدأ في مكة ببناء الإنسان المؤمن، وزكى أصحابه ورباهم على الصبر والثبات. ثم كانت الهجرة انتقالاً من الاستضعاف إلى بناء الأمة؛ فأقام المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ونظم شؤون المجتمع، وجعل الشورى والعدل والأمانة أصولاً للحكم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
وظهرت أخلاق الرسالة في السلم والحرب؛ أخذ النبي ﷺ بالأسباب، واستفاد من الخبرات، ووفى بالعهود، وقبل صلح الحديبية وهو ينظر إلى المآلات، ثم دخل مكة منتصراً من غير أن يجعل النصر باباً للثأر. واكتمل الدين، وانتقلت أمانة البلاغ والشهادة إلى الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].
وهكذا اكتمل المشروع الحضاري للأنبياء: تحرير من الطغيان، وقيادة بالكفاءة، وحكم بالعدل، وقوة يضبطها الشكر، وتربية تبني الإنسان قبل المؤسسة. وبعد ختم النبوة بقيت هذه الأمانة في عنق الأمة، تحملها بالعلم النافع والعمل الصالح والرحمة والعدل، حتى تكون شهادتها على الناس هداية وإصلاحاً، لا استعلاءً ولا ادعاء.

من تحرير العقل إلى بناء الأمة.. دعوة إبراهيم عليه السلام وذريته

إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...

من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط.. الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «4-4».. شهادة شخصية عن علاقة الشيخ حمد بالعلم والعلماء وأهل الفكر

لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «3-4».. السياسة الخارجية القَطرية بين الوساطة.. ودعم قضايا الشعوب

مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «2-4».. اهتمام فقيد الوطن الكبير بتاريخ الأمة العربية والإسلامية وسير القادة والمصلحين

لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «1-4».. دراسة سيرة القادة.. قراءة في تجارب الأوطان

حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...