

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما يعكسه من تحوّل أعمق في الطريقة التي باتت بها السعودية ودول الخليج تفكر في أمنها وفي شكل النظام الإقليمي المقبل.
فهذه الدول تبدو اليوم أقل استعدادًا لربط أمنها الاستراتيجي بضامن واحد، وأكثر ميلًا إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات تتيح لها تنويع خياراتها ومصادر قوتها وهوامش حركتها.
من هذه الزاوية، لا يمثل اتفاق مكة نهاية النظام الأمني الذي قادته الولايات المتحدة، بل بداية الاستعداد لنظام أكثر تعددية، تكون فيه القوى الإقليمية مسؤولة بدرجة أكبر عن إنتاج أمنها، لا مجرد استيراده. اتفاق مكة، من هذه الزاوية، أشبه ببوليصة تأمين ضد عالم تصبح فيه أمريكا أقل حضورًا، وأقل قابلية للتنبؤ، وأكثر انشغالًا بأولويات أخرى.
نهاية اليقين وتنويع الشراكات
المشكلة بالنسبة إلى الخليج لم تعد في حجم القوة الأمريكية، بل في مستوى اليقين بشأن استخدامها. يمكن لدولة أن تشتري بعشرات المليارات من الدولارات من الأسلحة الأمريكية، وتستضيف قواعد وقوات، وتبني علاقات استراتيجية عميقة مع واشنطن، ثم تكتشف عند وقوع الأزمة أن قرار التدخل تحكمه اعتبارات أمريكية داخلية وحسابات دولية لا علاقة لها بالضرورة بأمن حلفائها.
هذه ليست ملاحظة نظرية. خلال العقد الماضي، أدركت دول الخليج أن الشراكة الأمريكية، مهما كانت عميقة، لا تعادل ضمانًا تلقائيًا للحماية. ومن هنا بدأت دول تتحرك نحو استراتيجية مختلفة: الإبقاء على واشنطن، ولكن بناء خيارات خارج واشنطن. وهذا هو جوهر التحول. دول الخليج لا تنتقل من المعسكر الأمريكي إلى معسكر صيني أو روسي أو تركي. بل إنها تحاول أصلًا تجاوز فكرة المعسكر الواحد.
تكمن جاذبية اتفاق مكة في أن الدول الثلاث لا تقدم النوع نفسه من القوة. السعودية تمتلك رأس المال، والموقع الجغرافي، والثقل السياسي، وسوقًا ضخمة للصناعات الدفاعية. تركيا بنت خلال السنوات الماضية قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، خصوصًا في الطائرات المسيّرة والصواريخ والمنظومات البحرية والإلكترونية. أما باكستان فتملك جيشًا كبيرًا، وخبرة عملياتية طويلة، وقدرات استراتيجية، وهي القوة النووية الوحيدة داخل هذا الترتيب.
على الورق، تبدو المعادلة جذابة: المال السعودي، والتكنولوجيا التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية. لكن المشكلة أن الشرق الأوسط مليء بالتحالفات التي كانت قوية على الورق فقط.
القيمة الحقيقية لاتفاق مكة لن تظهر في البيانات أو صفقات السلاح، بل عندما تبدأ الدول الثلاث في ربط قدراتها العسكرية فعلًا: دفاع جوي مشترك، إنذار مبكر، استخبارات، تصنيع، ذخائر، أمن سيبراني، وقيادة قادرة على العمل وقت الأزمة. فالسلاح الذي يباع ليس تحالفًا، والمناورة العسكرية ليست ضمانة دفاعية.
الأهمية الاستراتيجية للاتفاق قد تظهر في البحر أكثر من البر، فأمن منطقة الخليج لا يبدأ اليوم عند حدودها فقط. يمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب. هذه الممرات ليست تفاصيل جغرافية؛ إنها الشرايين التي تقوم عليها تجارة الطاقة السعودية والخليجية والإقليمية وجزء مهم من الاقتصاد العالمي.
وهنا تكتسب خريطة التحالف معناها، إذا تحول الاتفاق إلى تعاون بحري منظم، فقد يصبح أساسًا لترتيبات أمنية تتعامل مع التهديدات للموانئ والسفن وخطوط الطاقة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الأساطيل الغربية. وهذا تحديدًا هو النوع من القدرات الذي تحتاج إليه المنطقة إذا أرادت الاستعداد لأي انكماش أمريكي مستقبلي.
مستقبل موازين القوى
لكن البعد الأكثر حساسية في الاتفاق يتعلق بمستقبل ميزان القوة نفسه. إذا تراجع الدور الأمريكي يومًا ما، فإن الخطر بالنسبة إلى الدول الخليجية والعربية ليس مجرد الفراغ، بل الطرف الذي سيملأ ذلك الفراغ.
إيران بنت على مدى عقود شبكة نفوذ إقليمية تجاوزت حدودها وما زالت تطلق صواريخها ومسيراتها على عواصم خليجية وعربية. وإسرائيل أثبتت أنها تملك تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا يسمح لها باستخدام القوة في مساحات واسعة من الشرق الأوسط وما زالت تصر على ممارسة سياسة الاحتلال والاستيطان في الداخل والاعتداء العسكري على دول عربية خارج حدودها. وفي حال تراجع الثقل الأمريكي، قد تجد المنطقة نفسها أمام نظام تحدد خطوطه قوتان أساسيتان: إسرائيل وإيران.
لذلك يمكن فهم اتفاق مكة باعتباره محاولة أولية لصناعة قطب ثالث: قوة إقليمية لا تحتاج إلى الدخول في حرب مع إسرائيل أو إيران، لكنها تملك وزنًا كافيًا لمنع أي منهما من احتكار رسم قواعد الشرق الأوسط. الهدف الذكي ليس هزيمة أحد. الهدف منع الهيمنة.
فرغم الحرب المستعرة لا يمكن إلغاء إيران من معادلة الخليج، وتركيا تجمعها بطهران علاقات تعاون وتنافس معقدة، وباكستان تشترك معها في حدود طويلة ولا ترغب في فتح جبهة دائمة معها. لذلك فإن أفضل وظيفة للتحالف ليست الاستعداد لحرب مع إيران، بل بناء قدرة ردع تجعل أي هجوم على أحد أطرافه أكثر تكلفة.
وهنا يصل اتفاق مكة إلى الاختبار الذي أسقط تحالفات إقليمية سابقة. المنطقة لم تعان يومًا من قلة الاتفاقيات أو التحالفات، المشكلة كانت دائمًا في غياب الأرضية السياسية المشتركة.
التحالف العربي في اليمن كشف سريعًا أن الدول المشاركة لا ترى الحرب بالطريقة نفسها. والتحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب حمل اسمًا كبيرًا وعددًا كبيرًا من الدول، لكن العدد لم يتحول إلى قدرة سياسية وعسكرية موحدة. الدرس واضح جمع الدول لا يعني جمع المصالح.
لذلك لن يكون المعيار الحقيقي لنجاح اتفاق مكة هو انضمام دول جديدة إليه، رغم أن التوسع سيمنحه وزنًا سياسيًا أكبر. المعيار هو ما سيحدث بعيدًا عن التصريحات الإعلامية.
هل ستنشأ قيادة عسكرية دائمة؟ هل سيتم ربط منظومات الإنذار المبكر؟ هل سيكون هناك تبادل استخباراتي في الوقت الحقيقي؟ هل ستظهر خطط مشتركة للدفاع عن الموانئ والمنشآت النفطية والممرات البحرية؟ هل سينتقل التعاون الصناعي من شراء المنتجات التركية والباكستانية إلى إنتاجها داخل السعودية وتطويرها بصورة مشتركة؟ إذا لم يحدث ذلك، فسيصبح الاتفاق عنوانًا آخر في سجل طويل من الطموحات الإقليمية. أما إذا حدث، فنحن أمام شيء مختلف.
وأهم ما في التحول الحالي هو أنه يتجاوز مسألة الحلفاء إلى مسألة أعمق: من ينتج الأمن؟
الخليج كان لعقود مستهلكًا للأمن. اشترى أحدث الأسلحة واستضاف قوات أجنبية واعتمد على شبكات استخبارات واتصالات وحماية صممتها القوى الغربية. هذا النموذج نجح في جوانب كثيرة، لكنه حمل نقطة ضعف بنيوية: القرار النهائي بقي مرتبطًا، في جزء منه، بإرادة الخارج.
اليوم هناك محاولات جادة لتغيير هذه المعادلة، فتوطين الصناعات الدفاعية ليس مشروعًا اقتصاديًا فقط، والشراكة مع تركيا ليست مجرد صفقات مسيّرات وصواريخ. والعلاقة العسكرية مع باكستان ليست مجرد تدريب قديم. هذه كلها، إذا جُمعت ضمن رؤية واحدة، ستتحول إلى أدوات لبناء قدرة أكبر على إنتاج الأمن محليًا، فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني أن تتخلى عن حلفائك؛ يعني ألا تصبح عاجزًا إذا ترددوا.
نظام أمني إقليمي
اتفاق مكة يمكن أن يكون أول لبنة جادة في نظام أمني إقليمي أكثر استقلالًا، أو يمكن أن ينتهي مثل كثير من التحالفات التي سبقته: قمة كبرى، صورة جماعية، بيانات طموحة، ثم سنوات من اللجان والاجتماعات من دون أثر حقيقي على الأرض.
الفارق لن يصنعه حجم الإنفاق العسكري ولا عدد الدول المنضمة. سيصنعه سؤال واحد: هل الدول المشاركة مستعدة فعلًا لتحمل كلفة الدفاع عن بعضها؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد يبدأ الشرق الأوسط أخيرًا في بناء توازن أمني لا يعتمد بالكامل على قوة قادمة من وراء المحيط.
أما إذا كانت الإجابة لا، فلن يكون اتفاق مكة سوى محاولة أخرى لملء الفراغ بالكلمات قبل أن يملأه الآخرون بالقوة. فالمشكلة بالنسبة إلى الخليج ليست أن أمريكا ستغادر غدًا؛ المشكلة أن بناء الأمن على افتراض أنها لن تغادر أبدًا أصبح مقامرة إستراتيجية لا تستطيع المنطقة تحملها.
بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...
قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...
خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...
تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...
لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...
مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...
ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...
لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...
تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...
لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...
ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...
في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...