alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 35

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 10 سبتمبر 2026
حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

14 سبتمبر 2026 , 12:30ص

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من الخارج، بل قوة نصنعها بأيدينا، ونمنحها كل يوم مزيدًا من القدرة والاستقلالية، ثم نكتشف أن قدرتنا على فهمها وضبطها لا تتقدم بالسرعة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالإنسان لا يقف اليوم أمام آلة قررت فجأة أن تتمرد عليه، كما تخيلت أفلام الخيال العلمي، بل أمام صناعة عالمية دخلت سباقًا محمومًا لبناء أنظمة أكثر ذكاءً واستقلالية وقدرة على اتخاذ القرار، في وقت لم تنجح فيه الحكومات ولا المؤسسات الدولية ولا حتى الشركات المنتجة نفسها في تقديم إجابة مقنعة عن سؤال بسيط: ماذا نفعل إذا أصبحت هذه الأنظمة أكثر قدرة مما نستطيع التحكم فيه؟

تحذير من داخل النظام
لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي مجرد اختلاف فكري بين المتفائلين والمتشائمين، أو بين من يرى فيه أعظم اختراع منذ الكهرباء ومن يتنبأ بكارثة حضارية. لقد انتقل النقاش من وجهات النظر إلى السياسات، ومن المختبرات إلى البرلمانات، ومن التحذير الأخلاقي إلى سؤال الأمن القومي والدولي.
في السابع من سبتمبر 2026، وقف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أمام الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، ليطلق تحذيرًا يصعب التعامل معه باعتباره مبالغة عابرة. قال تورك إن البشرية تواجه تهديدات لحقوقها «غير مألوفة، بل وغير مسبوقة»، وطرح سؤالًا مباشرًا: الجميع يتحدث عن الحاجة إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي، فأين الفعل؟
ثم ذهب إلى جوهر المشكلة، محذرًا من قوة هائلة تكاد تتركز في أيدي عدد محدود جدًا من الأشخاص والشركات. وطالب بضمانات صارمة للأمن والسلامة قبل أن يصبح التحرك متأخرًا، داعيًا الدول التي تستضيف شركات الذكاء الاصطناعي أو تشارك في سلاسل إمداده إلى الاتفاق على «خطوط حمراء» مشتركة.
والمهم هنا ليس حدة التحذير فحسب، بل مصدره. فنحن لم نعد أمام ناشط بيئي أو فيلسوف تكنولوجي يتخوف من المستقبل؛ لقد صارت القضية مطروحة داخل الأمم المتحدة، والبرلمانات، وأجهزة الأمن، بل وداخل مختبرات الشركات التي تبني هذه الأنظمة نفسها.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض الذين كانوا حتى وقت قريب يبشرون بسرعة التطور بدأوا يتحدثون عن ضرورة إبطائه. فقد دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، في سبتمبر إلى إعطاء إجراءات السلامة وقتًا كافيًا كي تلحق بسرعة تقدم الذكاء الاصطناعي، مقترحًا رقابة خارجية أوسع وتعاونًا دوليًا أكبر. إنها لحظة لافتة حقًا: عندما يبدأ صانع السيارة الأسرع في العالم بالمطالبة بمكابح أقوى، فمن الحكمة ألا نناقش سرعة السيارة وحدها، بل الطريق الذي تسير عليه أيضًا.

الآلة تبحث عن طريق آخر
لم تبقَ المشكلة نظرية تمامًا. ففي يوليو 2026 كشفت اختبارات أمنية عن حادثة شديدة الأهمية، حين تمكن وكيل ذكاء اصطناعي يستخدم نماذج من «أوبن إيه آي» من مغادرة البيئة المعزولة المخصصة للاختبار والوصول إلى الإنترنت، ثم اختراق أنظمة مرتبطة بمنصة «Hugging Face» أثناء محاولته اجتياز اختبار للأمن السيبراني. 
كما كشفت شركة «أنثروبيك» عن تصاعد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنشطة التجسس والأمن، موضحة أن مجموعة مرتبطة بإيران استعانت بنماذج ذكاء اصطناعي طُوّرت في الولايات المتحدة لمحاولة تحديد مواقع سفن تابعة للبحرية الأمريكية في الشرق الأوسط ورصد نقاط ضعف محتملة قد تُستغل في استهدافها. 
كما أعلنت الشركة أنها أغلقت عددًا من عمليات التجسس المدعومة من دول أو جهات مرتبطة بها بعد استخدام نماذجها في أنشطة مراقبة وجمع معلومات، محذرة من أن الحكومات ووكلاءها باتوا يلجأون بصورة متزايدة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لتعقب الأقليات والمعارضين السياسيين وتوسيع قدراتهم الاستخباراتية والرقابية.
وهنا يجب الحذر من خطأ معاكس. فالانشغال المفرط بفكرة «الذكاء الخارق الذي يدمر البشرية» قد يجعلنا نتجاهل المخاطر القائمة فعلًا أمام أعيننا. فالخطر القريب ليس بالضرورة روبوتًا يستيقظ ذات صباح ويقرر التخلص من البشر، بل ما هو أكثر واقعية وأشد خطورة: إنسان يستخدم آلة شديدة القوة بطريقة لم يكن قادرًا عليها من قبل.
هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، هي التركيز غير المسبوق للقوة التكنولوجية. فمعظم النماذج الأكثر تقدمًا تنتجها مجموعة صغيرة من الشركات الأمريكية والصينية، وهذه الشركات لا تتنافس على سوق جديدة فحسب، بل على البنية التحتية المعرفية للاقتصاد العالمي القادم. لم تعد المنافسة حول تطبيق أفضل للهاتف؛ إنها منافسة على الذكاء نفسه باعتباره موردًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.
وهذا يجعل دعوات «التباطؤ» أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. فإذا خفضت شركة أمريكية سرعتها، فهل ستفعل الشركات الصينية الشيء نفسه؟ وإذا فرضت دولة قيودًا مشددة على مختبراتها، فهل ستلتزم بها الدول الأخرى؟ وإذا قررت شركة واحدة عدم تطوير نموذج تعتبره خطرًا، فما الذي يمنع منافسًا آخر من تطويره؟
هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من مشكلة تكنولوجية إلى معضلة جيوسياسية تشبه في بعض جوانبها، سباقات التسلح: الجميع قد يدرك الخطر، لكن كل طرف يخشى أن يكون أول من يتباطأ. وتلك ربما أخطر معادلة في القضية كلها؛ فإذا أصبحت السلامة عقوبة تنافسية، فلن يبقى لأي شركة حافز كافٍ لتكون الأكثر حذرًا.

 هل فات أوان التحكم؟
الإجابة المختصرة: لا، لكنه قد يفوت. وهناك فرق هائل بين العبارتين. ليس لدينا اليوم دليل علمي قاطع يقول إن الذكاء الاصطناعي سيتحول حتمًا إلى قوة مستقلة تقضي على البشرية، كما أن تصوير كل سلوك غير متوقع لنموذج باعتباره «تمردًا» ليس موقفًا علميًا. لكننا نملك من الأدلة ما يكفي للوصول إلى استنتاج أقل درامية وأكثر أهمية: قدرات الأنظمة تتطور أسرع من مؤسسات الرقابة عليها.
والأخطر من ذلك أن الاقتصاد يكافئ السرعة، والأسواق تكافئ السبق، والسياسة الدولية تكافئ التفوق. ولهذا فإن المشكلة الحقيقية ليست أن الذكاء الاصطناعي أصبح قويًا، بل أن كل الحوافز المحيطة به تدفع إلى جعله أقوى بأقصى سرعة ممكنة.
لم يعد كافيًا أن تصدر الشركات «مواثيق أخلاقية»، أو تنشئ لجانًا داخلية للسلامة، ثم تطلب من العالم أن يثق بها. فالشركة التي تتنافس على مئات المليارات لا يمكن أن تكون، في الوقت نفسه، الحكم النهائي على مقدار الخطر المسموح لها بالمخاطرة به.
والأهم من ذلك كله أن العالم يحتاج إلى نظام دولي لحوكمة الذكاء الاصطناعي. فلا يمكن ترك تكنولوجيا عابرة للحدود لقوانين وطنية متفرقة؛ إذ لا تعرف الخوارزمية أين تنتهي كاليفورنيا وتبدأ الصين، ولا أين تنتهي أوروبا وتبدأ آسيا. وما نحتاج إليه في النهاية يشبه، من حيث الجدية لا من حيث التفاصيل، الأنظمة الدولية التي تعاملنا بها مع الطيران المدني أو الأسلحة النووية أو الانتشار البيولوجي: معايير، وتفتيش، وشفافية، وخطوط حمراء، وآليات استجابة عند الخطر.
مع ذلك، فإن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو الانتقال من التهوين إلى الهلع. فالذكاء الاصطناعي ليس كارثة تنتظرنا فقط، بل هو أيضًا أحد أكبر مصادر الفرص في التاريخ الحديث؛ إذ يمكنه تسريع اكتشاف الأدوية، وتحسين التشخيص، وتخصيص التعليم، ورفع الإنتاجية، وتطوير البحث العلمي، ومساعدة الدول الفقيرة على تجاوز فجوات معرفية استغرق بناؤها عقودًا في الدول المتقدمة.
والتحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، بل بناء ذكاء اصطناعي يزيد قدرة الإنسان بدل أن ينتزع منه إرادته. فليس المطلوب قتل الابتكار باسم السلامة، كما ليس مقبولًا التضحية بالسلامة باسم الابتكار.

من سنخسر؟
ربما نطرح السؤال الخطأ عندما نسأل: هل سيسيطر الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟ فالسؤال الأسبق منه هو: هل لا يزال الإنسان يسيطر على النظام الذي يصنع الذكاء الاصطناعي؟ هل تستطيع الحكومات فرض قواعدها على الشركات؟ وهل تستطيع الشركات مقاومة ضغوط الأسواق والمنافسين؟ وهل يستطيع العالم الاتفاق على خطوط حمراء بينما تدخل الولايات المتحدة والصين سباقًا استراتيجيًا على التكنولوجيا ذاتها؟ وهل نستطيع أن نقول «توقف» إذا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها استمرار التطوير أسرع من قدرتنا على ضمان سلامته؟
يخبرنا التاريخ أن البشر غالبًا ما يضعون القواعد بعد وقوع الكارثة؛ فنحن نبني قوانين الطيران بعد الحوادث، ونعدل الأنظمة المالية بعد الأزمات، ونضع اتفاقيات الحروب بعد أن تحصد ملايين الأرواح. لكن الذكاء الاصطناعي قد لا يمنحنا هذا الترف دائمًا.
لم يفت الأوان بعد للسيطرة على الذكاء الاصطناعي، لكن النافذة التي نستطيع خلالها أن نضع القواعد ونحن ما زلنا أصحاب القرار لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. فالمشكلة ليست أن الآلات بدأت تفكر مثل البشر، بل أن البشر قد يتوقفون عن التفكير قبل أن يقرروا إلى أين يريدون لهذه الآلات أن تأخذهم.

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...