alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 47

سحر ناصر 19 أكتوبر 2026
حرب عالمية دون إعلان
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 19 أكتوبر 2026
إدارة التحالف جزء من المعركة
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 18 أكتوبر 2026
عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 أكتوبر 2026
لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

19 أغسطس 2026 , 12:35ص

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز جنودها، وتحاول تحويل الملف إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي. هذه، باختصار، هي المفارقة التي تختصر السلوك الإيراني في قضية الطيارين.
في الحقيقة، لا يكشف التصعيد الإيراني المتأخر بشأن طيارين يُزعم احتجازهم في قطر عن حرص إنساني مفاجئ، بقدر ما يعكس مناورة لتبديل مواقع المسؤولية. فمن ينتهك أجواء دولة ذات سيادة، ثم يعود بعد أشهر ليطالبها بتفسير مصير أفراد شاركوا في العملية، لا يدافع عن حقوق مواطنيه بقدر ما يحاول الهروب من أصل القضية: الاعتداء العسكري نفسه.

لماذا الصمت طوال أشهر؟
إذا كانت طهران تملك معلومات مؤكدة عن وجود ثلاثة طيارين إيرانيين أحياء ومحتجزين في قطر، فإن صمتها طوال ستة أشهر لا يمكن التعامل معه بوصفه تأخرًا عابرًا. فالدول التي تفقد عسكريين في عمليات خارج حدودها لا تؤجل متابعة مصيرهم، ولا تواصل اتصالاتها السياسية مع الدولة المعنية من دون إدراج قضيتهم على أجندة الحوار.
لكن غياب الأسماء، وعدم عرض الأدلة، وعدم نشر سجل المراسلات أو الطلبات الرسمية، فضلًا عن عدم تفعيل مسار قانوني أو إنساني واضح، كلها عوامل تثير شكوكًا جدية حول توقيت الادعاء وأهدافه. والسؤال يظل مباشرًا: إذا كانت إيران صادقة في روايتها بشأن هؤلاء الطيارين ومصيرهم، فلماذا لم تطالب بهم منذ اللحظة الأولى؟ وإذا لم تكن تعرف عنهم شيئًا، فعلى ماذا تستند اليوم في اتهامها؟
 
اعتداء وانتهاك للسيادة
تحاول الرواية الإيرانية اختزال القضية في عنوان إنساني: احتجاز طيارين إيرانيين. لكنها تتجاوز، عمدًا، حقيقة أن هؤلاء الطيارين كانوا جزءًا من عملية عسكرية، وأن وجودهم المفترض في قطر لا يمكن فصله عن الطائرات التي حملتهم، ولا عن المهمة التي كانوا ينفذونها، ولا عن قرار إدخال مقاتلات إلى المجال الجوي لدولة أخرى.
فالطيارون العسكريون ليسوا مدنيين تعرضوا لحادث عرضي، بل عسكريون أُرسلوا ضمن مهمة تنطوي على مخاطر التصعيد والمواجهة. وبالتالي، فإن تحويل تبعات القرارات العسكرية الإيرانية إلى اتهام موجّه ضد الدولة التي دافعت عن سيادتها وحدودها يبتعد عن المنطق السياسي والقانوني.
لا تستطيع إيران أن تبدأ روايتها من لحظة سقوط طائراتها، متجاهلة اللحظة التي عبرت فيها تلك الطائرات حدود الدول المجاورة. كما لا تستطيع أن تتحدث عن «حقوق» طياريها العسكريين بمعزل عن مسؤوليتها عن إرسالهم في مهمة قادتهم إلى هذا المصير.
 
طلب الوساطة يقابله الاتهام
تتعمق هذه المفارقة عند النظر إلى الدور القطري في إدارة الأزمة. فبحسب المعطيات المتداولة، لم تتخلَّ الدوحة عن قنوات الاتصال مع طهران، بل واصلت أداء دور الوسيط في الاتصالات المتعلقة بالتهدئة وفتح قنوات الحوار مع الولايات المتحدة، على الرغم من أنها كانت، في الوقت نفسه، الطرف الذي تعرض لانتهاك مباشر لسيادته ومرافقه الحيوية.
بعبارة واضحة، استفادت طهران من القنوات القطرية حين احتاجت إلى ممر سياسي نحو واشنطن، وإلى جهود تحدّ من التصعيد وتدعم مسار التفاوض، ثم عادت لتستخدم ملف الطيارين في توجيه اتهام إعلامي وسياسي ضد الدوحة.
ويرسخ هذا السلوك نمطًا انتهازيًا في التعامل مع الجوار: طلب الوساطة عند الحاجة، ثم تشويه صورة الطرف الوسيط أو تحميله المسؤولية عندما يصبح الخطاب التصعيدي حاجة داخلية أو ورقة تفاوضية.
ولا شك في أن الطريقة التي تعاملت بها طهران مع ملف الطيارين خلال الأشهر الماضية كشفت عن ترتيب للأولويات لا يحتل فيه مصير الطيارين موقع الصدارة. فالهدف الأكثر إلحاحًا، وفقًا لما توحي به التحركات السياسية الإيرانية، كان الوصول إلى تفاهم مع واشنطن يوقف الحرب، ويفتح الباب أمام الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ويخفف العقوبات المفروضة عليها. وفي هذا السياق، بدا مصير الطيارين هامشيًا أمام حسابات البقاء السياسي والاقتصادي للنظام.
ولا يتعلق الأمر بمجرد غياب التصريحات ذات الصلة أو تأخر المطالبات، بل بما أُعلن عن عدم تجاوب السلطات الإيرانية مع مساعي تنسيق استلام رفات أحد الطيارين بعد العثور عليه، أو ترتيب إجراءات الاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ. وهذا من شأنه أن يقوّض الادعاء الإيراني الذي يحاول إضفاء طابع إنساني على الرواية، أو الإيحاء بأن مصير الطيارين كان أولوية وطنية لدى طهران.
فالدولة الجادة في متابعة مصير جنودها لا تتجاهل فرصة استلام رفات أحدهم، ولا تعزف عن إرسال وفد فني أو عسكري للتدقيق في المعلومات أو المشاركة في إجراءات البحث والإنقاذ. أما التعامل مع هذه المبادرات الدبلوماسية والقانونية بالبرود أو التجاهل، ثم إصدار بيان اتهامي بعد أشهر، فيشير إلى أن ملف الطيارين بقي ورقة مؤجلة إلى حين ظهور حاجة سياسية لاستخدامه.
 
 الهروب من المسؤولية الشعبية
يمكن قراءة السردية الإيرانية في إطار محاولة لاحتواء ضغوط الرأي العام الداخلي، أكثر من كونها محاولة حقيقية للوصول إلى الوقائع أو معرفة مصير الأفراد المعنيين. فبدلًا من أن تشرح السلطات الإيرانية لشعبها كيف أُرسل هؤلاء الطيارون إلى عملية شديدة الخطورة، وأسباب تأخر البحث في مصيرهم، وعدم الاستفادة من القنوات المتاحة لمعالجة الملف، تختار نقل مسؤوليتها إلى عاتق قطر.
بهذه الطريقة، تسعى طهران إلى بناء مخرج دعائي يقوم على الإيحاء بأنها لاحقت القضية باستمرار، وأن الطرف الآخر هو من عرقل الحل. وبالتالي، فإن استدعاء الملف الآن، بعد أشهر من الصمت وعدم التجاوب مع المبادرات المتعلقة بالبحث والإنقاذ أو استلام الرفات، يبدو أقرب إلى مسعى لإنقاذ صورة المسؤولين أمام الرأي العام الإيراني عمومًا، وعائلات الطيارين خصوصًا، وتغطية تبعات مغامرة عسكرية متهورة.
وهنا تكمن القسوة الحقيقية في هذا السلوك السياسي البعيد عن مقتضيات حسن الجوار والاعتبارات الإنسانية: أن يتحول من يعتقد أنه يدافع عن وطنه، ويُرسل إلى مهمة عسكرية محفوفة بالمخاطر، إلى مجرد ورقة في حسابات التفاوض، ثم تُستخدم قضيته لاحقًا لتغطية إخفاق سياسي وعسكري لم تبدأ فصوله في قطر، بل بقرار إيراني بالاعتداء.
هذه الحادثة، إلى جانب شواهد أخرى سابقة، تكشف عن أزمة تتجاوز الوقائع المباشرة وتمس طبيعة العلاقة التي تحاول دولة قطر ودول الخليج عمومًا بناءها مع إيران منذ عقود. فعلى الرغم من الجهود المتكررة لوقف الحروب واحتواء التصعيد وفتح قنوات التهدئة وتوفير مسارات للحوار والتفاوض، فإن هذه المبادرات كثيرًا ما تصطدم بسلوك إيراني لا يعزز الثقة. إذ تُستدعى الوساطات الخليجية عند الحاجة إلى مخرج سياسي، ثم تتكرر ممارسات تهدد أمن دول الخليج أو تمس سيادتها، بما يخلق شعورًا متزايدًا بأن الانفتاح الخليجي لا يقابله التزام إيراني مماثل بقواعد حسن الجوار.
واستمرار هذا النمط لا يفاقم الأزمات الآنية فحسب، بل يراكم أزمة ثقة عميقة في التعامل مع النظام الإيراني وإمكان التعايش معه ضمن نظام إقليمي مستقر. فالثقة لا تُبنى بالتصريحات والزيارات، وإنما بسلوك سياسي يحترم السيادة، ويحد من التهديدات، ويؤسس لعلاقات يمكن التنبؤ بها.
وكل اعتداء جديد، أو اتهام يتنصل من المسؤولية، أو ممارسة تزعزع الثقة، يهدم جزءًا من الرصيد السياسي الذي تراكم عبر سنوات من الوساطة والانفتاح.
المشكلة، في النهاية، ليست في غياب المبادرات الخليجية لتهدئة التصعيد مع إيران، بل في غياب إرادة إيرانية مقابلة لبناء منظومة إقليمية مستقرة تقوم على مبادئ التعايش السلمي وحسن الجوار. وإذا كانت طهران تريد من جيرانها أن يكونوا وسطاء عندما تحتاج إليهم، فعليها أولًا أن تتعلم كيف تعاملهم بوصفهم جيرانًا عندما لا تحتاج إلى وساطتهم.

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...