

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها صنعت شعورًا تاريخيًا عميقًا بأن الهوية محاصرة، وأن الخارج لا يريد فقط السيطرة على الأرض، بل إعادة تشكيل الوعي والذاكرة معًا.
في مثل هذا المناخ، يصبح النقد فعلًا مشبوهًا، كل سؤال يُفهم باعتباره تشكيكًا، وكل مراجعة تبدو طعنًا، وكل محاولة إعادة قراءة السردية التاريخية تُعامل أحيانًا كما لو أنها جزء من مشروع لهدم الهوية. وهكذا ينشأ الخلط الأخطر: بين الدفاع عن الذات والدفاع عن الرواية، وبين حماية التراث وحماية ما أنتجه البشر حول التراث، وبين الثقة بالهوية والخوف من التاريخ.
لكن الأمم التي تخاف من مراجعة ذاكرتها محكوم عليها بأن تتحول إلى لعنة تسكنها إلى الأبد، فالذاكرة التي لا تخضع للسؤال تتحول من مصدر للمعنى إلى سجن للوعي، والماضي الذي لا يُقرأ نقديًا لا يبقى خلفنا؛ بل ينتقل إلى الحاضر، يعيد إنتاج نفسه في السياسة والتعليم والثقافة والدين، ويقرر، من حيث لا نشعر، ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز.
حراسة معابد ذاكرة التاريخ
الأكثر خطورة أن حراسة الذاكرة في الزمن الراهن لم تعد وظيفة الدولة أو المؤسسات الرقابية أو المناهج المدرسية وحدها، بل تحولت إلى ممارسة جماعية في الفضاء الرقمي، لأن الذاكرة لم تعد مجرد حكاية عن الماضي، وإنما أصبحت جزءًا من تعريف الإنسان لهويته في الحاضر. فالفرد لا يرى الشخصيات التاريخية من المحسوبين على الأمويين أو العباسيين أو العثمانيين بوصفهم شخصيات وأحداثًا انتهت، بل يراهم امتدادًا لسردية مذهبية أو قومية أو دينية تحدد موقعه هو اليوم.
ولهذا يكفي أن يقدم باحث قراءة مختلفة لشخصية تاريخية، أو يناقش رواية عن الفتوحات أو الصراعات المذهبية أو سقوط إمبراطورية، حتى يتحول الخلاف حول الماضي إلى صراع على الهوية المعاصرة. وسرعان ما ينتقل النقاش من الأدلة إلى النيات: من أي مذهب الكاتب؟ ومن أي بلد؟ ولمن ينتمي؟ ومن يموله؟ ولماذا يطرح هذه المسألة الآن؟ وحين تصبح الذاكرة مكوّنًا للهوية، يصبح نقد الرواية عند البعض نقدًا للذات، ويصبح تعديل صورة الجد تهديدًا لصورة الحفيد.
ويظهر ذلك بأوضح صوره في النقاش حول الفتوحات الإسلامية، حيث لا تبقى المسألة في حدود البحث عما جرى في القرون الأولى، بل تتصل مباشرة بكيفية تعريف المسلمين والعرب لأنفسهم اليوم. ولهذا يختزل السجال سريعًا في ثنائية «فتح أم احتلال؟»، لأن اختيار الكلمة يبدو وكأنه اختيار لموقف من الهوية ذاتها.
لكن عمل المؤرخ يبدأ عندما يتحرر من الحاجة إلى حماية صورة الحاضر عبر الماضي: كيف دخلت الجيوش؟ وكيف أُديرت الأقاليم الجديدة؟ وكيف تغيرت أنظمة الأرض والضرائب والسلطة؟ ولماذا تعاونت جماعات محلية مع الحكام الجدد وقاومتهم أخرى؟ وكيف انتشرت العربية وتغيرت البنى الدينية والاجتماعية والاقتصادية عبر أجيال طويلة؟
تفكيك وإعادة قراءة النصوص
المفارقة أن الهوية الواثقة لا تخاف من النقد. الهوية الهشة هي التي تحتاج إلى الحراس. حين يعتقد مجتمع أن سؤالًا تاريخيًا قد يهدم كيانه، فإن المشكلة لا تكون في السؤال، بل في هشاشة البناء الذي يخاف منه. فالحضارات الكبرى لم تُبنَ على ذاكرة محصنة من النقاش، بل على القدرة على تحويل الذاكرة إلى موضوع للمعرفة.
لم تصبح أوروبا حديثة لأنها امتلكت المدافع قبل الآخرين فقط، ولا لأنها سيطرت على البحار والأسواق. تلك كانت نتائج لمسار أعمق. لقد بدأت حداثتها حين تغيّرت علاقتها بالسلطة والمعرفة والماضي.
أعادت قراءة النصوص، وفككت السلطة الكهنوتية والسياسية، وراجعت تاريخها، وفتحت الأرشيف، وأخضعت الحكايات المؤسسة لمنهج النقد، وسمحت لعلم التاريخ بأن ينتقل من سرد أمجاد الملوك والكنائس إلى دراسة المجتمع والاقتصاد والثقافة واللغة والإنسان العادي.
لم يكن ذلك طريقًا هادئًا أو مثاليًا. أوروبا نفسها قاومت النقد، وحرمت الكتب، وحاكمت المفكرين، وخاضت حروبًا دينية وفكرية طويلة. لكنها، في النهاية، بنت مؤسسات تسمح بأن يكون التاريخ مجالًا للسؤال لا عقيدة للدولة.
الفرق بين الذاكرة وحفريات التاريخ
البعض يخلط بين الذاكرة وحفريات التاريخ، الذاكرة تختار. تنتقي ما تريد الاحتفاظ به، وتنسى ما يزعج صورتها عن ذاتها. تميل إلى البطولة، والتبجيل، والتبسيط، وتقسيم العالم إلى أبطال وخصوم، منتصرين ومهزومين، خونة وأوفياء.
أما حفريات التاريخ، في معناه العلمي، فلا يعمل بهذه الطريقة. هو لا يسأل كيف نريد أن نتذكر الماضي، بل ماذا حدث فعلًا، وكيف، ولماذا، وبأي شروط. الذاكرة تبحث عن الطمأنينة. التاريخ يبحث عن التفسير. الذاكرة تحتاج إلى سردية متماسكة. والحفريات تكشف التناقضات. الذاكرة تخشى المناطق الرمادية. أما هو فيعيش فيها.
إن الخوف من النقد التاريخي ليس مجرد مشكلة معرفية. إنه أيضًا مشكلة سياسية ونفسية. المجتمعات التي تعرضت للهيمنة الخارجية تميل إلى تحويل ماضيها إلى حصن نفسي. وحين يصبح الماضي حصنًا، يصبح فتح نافذة فيه خطرًا.
هنا يتشكل منطق دفاعي مفهوم من حيث أسبابه، لكنه خطير من حيث نتائجه: بما أن الآخر هاجم تاريخنا، فعلينا أن نقدسه. وبما أن الاستعمار استخدم بعض الدراسات التاريخية لتبرير الهيمنة، فإن كل بحث نقدي يصبح استمرارًا للاستشراق.
لكن هذا المنطق يمنح الآخر، بصورة غير مباشرة، احتكار المنهج النقدي. فبدل أن ننتج نحن قراءة تاريخنا، نرفض القراءة نفسها. وبدل أن نفكك خطاب المستشرق بأدوات البحث، نواجهه بمنع السؤال. وهكذا تنتقل المعركة من سؤال: «هل هذه القراءة صحيحة؟» إلى سؤال: من الذي قالها؟ وهذه واحدة من علامات الأزمة المعرفية: أن يصبح نسب الفكرة أهم من مضمونها.
من يملك الماضي يملك الحاضر
التاريخ ليس بريئًا سياسيًا. كل سلطة تقريبًا تحتاج إلى رواية عن الماضي تبرر الحاضر. الدول تفعل ذلك، والحركات الدينية تفعل ذلك، والقوميات تفعل ذلك، والجماعات السياسية تفعل ذلك.
ولهذا فإن السيطرة على الذاكرة تعني، في كثير من الأحيان، السيطرة على الحدود الممكنة للمستقبل. حين تقرر سلطة ما من هم الأبطال ومن هم الخونة، وأي الحروب كانت مقدسة، وأي الانقسامات يجب نسيانها، وأي المراحل تُدرّس وأيها تُهمّش، فإنها لا تعيد ترتيب الماضي فقط؛ بل تعيد تشكيل المواطن.
فالإنسان يرى نفسه من خلال القصة التي تعلمها عن مجتمعه. وإذا كانت تلك القصة مغلقة، يصبح وعيه مغلقًا. من هنا تأتي أهمية التاريخ النقدي. فهو لا يهدف إلى هدم الانتماء، بل إلى تحرير الانتماء من الأسطورة السياسية.
نحن نطالب العالم باحترام حضارتنا، لكننا نخشى في الوقت نفسه إخضاع هذه الحضارة للمعايير نفسها التي تطبقها الجامعات الكبرى على تاريخ اليونان وروما والمسيحية واليهودية وأوروبا الحديثة.
وهذه مفارقة لا يمكن أن تستمر. إما أن نعتبر تاريخنا جزءًا من التاريخ الإنساني، يخضع للبحث والمقارنة والنقد، أو نحوله إلى منطقة مغلقة خارج التاريخ. والاختيار الثاني لا يحميه؛ بل يعزله. فالحضارة لا تُهان حين تُسأل. الحضارة تُهان حين تتحول إلى مجموعة شعارات لا يسمح لأحد بالاقتراب منها.
من المنافحة إلى الفهم
لقد أنفقنا طويلًا جهدًا هائلًا في المنافحة والدفاع عن وقائع في الماضي، بينما كان المطلوب أن نفهمها ونستوعبها. دافعنا عن الروايات قبل أن نحققها، وعن الرموز قبل أن ندرس سياقاتها، وعن الذاكرة قبل أن نميز بينها وبين التاريخ. وكانت النتيجة أن جزءًا من وعينا لا يزال يتحرك داخل أسئلة قديمة، بينما يتغير العالم من حولنا بسرعة غير مسبوقة.
ولذلك فإن المعركة الفكرية الحقيقية ليست بين التراث والحداثة، ولا بين الشرق والغرب، ولا حتى بين المؤمن والناقد. المعركة الأعمق هي بين ثقافتين: ثقافة تعتبر السؤال تهديدًا، وثقافة تعتبره بداية للمعرفة.
فالأمم لا تنهض حين تتخلص من ماضيها، بل حين تتخلص من الخوف منه. ولا يصبح التاريخ خطرًا على الهوية حين نراجعه، بل يصبح خطرًا حين نرفض مراجعته، لأنه عندها لا يعود ماضيًا، بل يتحول إلى سلطة خفية تدير الحاضر باسم الذاكرة.
فالسؤال الذي يجب أن نجرؤ على طرحه ليس: كيف نحمي تاريخنا من النقد؟ بل: كيف نحمي مستقبلنا من تاريخ لم نجرؤ بعد على نقده؟
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...
حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...
ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...
ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...