

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه؟
لم يعد هذا السؤال نظريًا أو قابلًا للتأجيل، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على المؤسسات الصحفية في كل مكان، ويضعها أمام خيار واضح: إما إعادة تعريف دورها ووظيفتها بما ينسجم مع العصر الجديد، أو البقاء أسيرة نموذج يتآكل تدريجيًا مهما كان عريقًا ومؤثرًا في الماضي، ومهما نافح البعض للدفاع عنه بحجج مختلفة ومحاولات لتبرير استمراره، فإن حركة التاريخ والتكنولوجيا لا تتوقف عند الحنين إلى النماذج القديمة، ولا تنتظر من يتردد في التغيير.
هذا الحديث موجه إلى الإخوة والزملاء في الصحف المحلية، وفي مقدمتها جريدة «العرب»، هذه المؤسسة التي أعتز بالانتماء إلى فضائها الصحفي والفكري، وأتشرف بلقاء قرائها أسبوعيًا عبر صفحاتها. وما أطرحه هنا لا يصدر عن مراقب يقف خارج التجربة، بل عن كاتب عايش العمل والكتابة في مختلف المؤسسات الصحفية المحلية، ويحمل لها الكثير من التقدير والوفاء لذاكرتها ورسالتها ومكانتها في الوجدان القطري.
ومن هذا الشعور تحديدًا تنطلق الدعوة إلى فتح فصل جديد يليق بتاريخ هذه المؤسسات؛ لأن الوفاء الحقيقي لها لا يكون بالاكتفاء بالاحتفاء بما أنجزته في الماضي، بل بالمساهمة في تمكينها من صناعة مستقبلها، فالمؤسسات العريقة لا تُصان بعزلها عن التغيير، وإنما بقدرتها على استيعابه وقيادته والتحول معه قبل أن يفرض نفسه عليها.
إن التحدي الحقيقي أمام الصحف المحلية، وفي مقدّمتها «العرب»، والصحف الخليجية والعربية عمومًا، لم يعد متمثلًا في سؤالٍ دفاعي من نوع: هل يمكن الاستمرار من دون ورق؟ بل في سؤالٍ أعمق وأكثر طموحًا: كيف نبني صحيفةً رقمية أوسع حضورًا وأقوى تأثيرًا وأكثر استدامة مما كانت عليه الصحيفة الورقية في أزهى عصورها؟
الفرق بين السؤالين ليس لغويًا، بل هو إستراتيجي، السؤال الأول يفترض أنّ الرقمنة خسارةٌ يجب احتواؤها، والثاني يفترض أنها فرصةٌ يجب استثمارها. والمؤسسات التي طرحت السؤال الأول ظلّت تدير انحدارًا بطيئًا، أما التي طرحت الثاني فأعادت اختراع نفسها.
القارئ لم يعد ينتظر الصباح
القارئ اليوم لا ينتظر صحيفة الصباح ليعرف ما حدث بالأمس الخبر يصله في اللحظة نفسها، عبر هاتفٍ في جيبه لا يتوقف عن التنبيه. الفيديو ينافس النص، والبودكاست ينافس المقال، والمنصّات الاجتماعية صارت بوابات رئيسية للوصول إلى الجمهور بدل أن تكون قنوات ثانوية للترويج.
وفي الوقت ذاته، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل غرف الأخبار من الداخل: في الترجمة، والتحرير الأولي، والتفريغ الصوتي، وتلخيص الوثائق، وتخصيص المحتوى لكل قارئ. وأصبح تحليل البيانات جزءًا أصيلًا من صناعة القرار التحريري، بحيث تعرف المؤسسة ما يقرأه جمهورها فعلًا، ومتى يتوقف عن القراءة، وأي الموضوعات تدفعه إلى الاشتراك. أما نماذج الإعلان والاشتراك والوصول إلى المحتوى، فتتغيّر بسرعةٍ غير مسبوقة، وتضع كل مؤسسة أمام اختبار مرونة حقيقي.
في خضمّ النقاش الدائر حول مستقبل الصحافة الورقية وإمكان التوقّف عن طباعتها، تبدو بعض التجارب الدولية جديرة بالتأمل لا بالنقل الحرفي.
في بريطانيا، أعلنت صحيفة «The Independent» عام 2016 انتقالها إلى نموذج رقمي بالكامل، في قرارٍ اعتُبر حينها مجازفة. وبعد خمس سنوات، كانت الصحيفة تتحدث عن جمهورٍ رقمي شهري يتجاوز مئة مليون قارئ عالميًا، أي أضعاف ما كان يمكن لأي طبعة ورقية أن تبلغه. والدلالة هنا واضحة: نهاية الطبعة الورقية لم تكن نهاية المؤسسة، بل بداية مرحلة مختلفة من توسّعها وانتشارها عبر الحدود.
ولعلّ التجربة السعودية تقدّم مثالًا أقرب إلى بيئتنا الإعلامية والثقافية. فقد سبقت صحيفة «الاقتصادية» إلى إنهاء نسختها الورقية والانتقال الكامل إلى النشر الرقمي، ثم لحقت بها «الرياضية». ومؤخرًا، أغلقت صحيفة «الرياض» مطابعها في أغسطس 2026 بعد أكثر من ستة عقود من الإصدار الورقي، وانتقلت مع مجلة «اليمامة» إلى الفضاء الرقمي الكامل.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تفكّك واحدًا من أكثر المخاوف رسوخًا في نقاشنا المهني: الاعتقاد بأنّ توقّف الطباعة يعني بداية اندثار الصحيفة أو انحسار تأثيرها. والواقع أنّ العكس ممكن تمامًا؛ فحين تتحرّر المؤسسة من كلفة نموذجٍ تقليدي متراجع — من الورق والحبر إلى النقل والتوزيع والمرتجعات وتعيد توجيه مواردها نحو المحتوى الرقمي والتقنيات الجديدة والوصول الأسرع إلى الجمهور، فإنها لا تغادر الصحافة، بل تعيد تعريفها بأدوات عصرها.
وهنا تتّضح المسألة بصورة أدقّ: الخوف الحقيقي ليس من توقّف الطباعة، بل من بقاء المؤسسة أسيرةً لها بينما ينتقل جمهورها والسوق الإعلامية إلى مكانٍ آخر. الخطر لا يأتي من قرار جسور يُتخذ في وقته، بل من قرارٍ صحيح يُؤخّر حتى يفقد جدواه.
فالورق قد يتوقف، أما الصحيفة القادرة على التجدّد فلا تتوقف؛ بل قد تبدأ عند تلك اللحظة تحديدًا مرحلةً أوسع أثرًا وأبعد انتشارًا. والاسم الذي بُني عبر عقود من المصداقية هو الأصل الأغلى الذي تملكه أي مؤسسة صحفية، وهو أصلٌ لا يسكن الورق، بل يسكن ثقة القارئ أيًّا كانت الوسيلة التي تحمله إليه.
التحول إلى مؤسسة رقمية
ما تحتاجه المؤسسات الصحفية اليوم ليس مجرد تحديث أدواتها، بل إعادة تعريف نفسها من الأساس؛ فلا تعود «صحيفة لها موقع إلكتروني»، بل تتحول إلى «مؤسسة إعلامية رقمية تحمل علامة صحفية عريقة».
والفرق بين النموذجين هائل، لأن الثاني يفرض تحولًا بنيويًا لا تجميليًا، يبدأ بإعادة هيكلة غرفة الأخبار بحيث تصبح المنصة الرقمية مركز العمل لا ملحقًا بالنسخة الورقية، وتغيير دورة إنتاج المحتوى من إيقاع الطبعة اليومية إلى التدفق المستمر على مدار الساعة، والاستثمار بجدية في الصحافة المرئية والمسموعة، من الفيديو القصير إلى الوثائقي والبودكاست، إلى جانب إنشاء وحدات متخصصة في البيانات والرسوم التفاعلية والتحقق الرقمي.
كما يتطلب هذا التحول بناء حضور مختلف لكل منصة اجتماعية وفق طبيعتها وجمهورها، بدل إعادة تدوير المحتوى نفسه في كل مكان، وتطوير علاقة مباشرة ومستدامة مع القراء عبر النشرات البريدية والاشتراكات والعضويات والخدمات المتخصصة. والأهم من ذلك كله، تأهيل الكوادر الصحفية لأدوار جديدة تجمع بين جوهر المهنية الصحفية التقليدية ومهارات العصر الرقمي؛ لأن التحول الحقيقي لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل يصنعه صحفي يعرف كيف يستخدمها لإنتاج صحافة أكثر سرعة وعمقًا وتأثيرًا..
إنّ الجمع بين الورقي والرقمي ليس دائمًا حلًّا وسطًا مريحًا كما يبدو من الخارج. ففي كثير من المؤسسات يتحوّل إلى ازدواجيةٍ تستنزف الموارد وتُربك القرار: فريقٌ يفكّر بعقلية الطبعة، وآخر يحاول بناء المستقبل الرقمي؛ ومواعيد إغلاق تحريرية تنتمي إلى عصر الصحيفة اليومية، في مقابل جمهورٍ يعيش في تدفّقٍ إخباري على مدار الساعة؛ واستثماراتٌ تتّجه إلى الطباعة والتوزيع، بينما تحتاج المنصّة الرقمية إلى التكنولوجيا والبيانات والفيديو والتصميم والتسويق والتطوير المستمر.
المشهد الإعلامي الجديد
مع اتساع الحاجة إلى إعادة التفكير في موقع الصحيفة داخل المشهد الإعلامي الجديد، ومع ما تشهده قطر من تحوّل متسارع في صناعة المحتوى والاتصال والمنصات الرقمية، فإن السؤال الذي يستحق أن يوضع اليوم على الطاولة ليس ما إذا كانت الصحف المحلية، قادرة على الاستغناء عن طبعتها الورقية، بل ما إذا كانت قادرة على أن تسبق الآخرين مرة أخرى، وأن تعيد تعريف نفسها بوصفها مؤسسة إعلامية رقمية قطرية عريقة، تنافس خليجيا وإقليميًا بحضورها ومحتواها ومنصاتها وتأثيرها، لا بمجرد استدعاء تاريخها القديم.
فالريادة لا تعني أن تكون أول من أصدر صحيفة ورقية، ولا آخر من يتمسك بها، وإنما أن تمتلك الشجاعة على إدراك اللحظة التي يصبح فيها الحفاظ على التاريخ مرهونًا بالقدرة على مغادرة بعض أدواته القديمة. والمؤسسات الكبرى لا تخون رسالتها حين تغير الوسيلة، بل تحميها؛ لأن الوفاء الحقيقي ليس للشكل الذي اعتدناه، وإنما للدور الذي قامت من أجله المؤسسة وللقدرة على مواصلة هذا الدور في زمن جديد.
من أبرز المفارقات في الأزمة الإقليمية الراهنة أن الدولة التي تبذل جهودًا استثنائية لمعالجة الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، تجد نفسها مضطرة للدفاع عن سيادتها وأمنها في مواجهة الطرف الذي تسعى إلى تجنيبه...
لم تكن مأساة العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية أنه خسر معارك سياسية وعسكرية فحسب، بل إنه كاد يخسر حقه في رواية ما حدث له. كانت الحروب تدور على أرضه، والقرارات تُتخذ بشأن مستقبله، بينما...
لم تعد منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الخليج تواجه مجرد احتمال اندلاع حرب جديدة، بل تواجه خطراً أعمق يتمثل في تحول الحرب إلى حالة دائمة، تتخللها هدن قصيرة لا تعالج أسباب الصراع. لذلك وفي هذه...
لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...
حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...
ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...