

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين يتحول النقد إلى استهداف منظم ومشحون بخطاب متطرف، وتصبح الدولة نفسها في مرمى الاتهام لأنها اختارت التهدئة بدل التصعيد، والدبلوماسية بدل الاصطفاف، والحلول السياسية بدل الانجرار إلى مغامرات عسكرية مفتوحة لا تُعرف كلفتها، ولا يمكن ضمان نهاياتها.
من هذا السياق ينبغي أن تُقرأ من خلاله الحملات السياسية والإعلامية التي طالت بدرجات وأشكال مختلفة، قطر وعُمان والسعودية خلال الأسابيع الأخيرة. دول تتباين في تفاصيل سياساتها وترتيب اجنداتها، لكنها تلتقي عند إدراك واحد: أن المنطقة استُنزفت بما يكفي، وأن المزيد من التورط في الصراعات والحروب لن يصنع نصرًا بقدر ما سيصنع خرابًا أوسع، ودولًا أضعف، واقتصادات أكثر هشاشة، ومجتمعات تُجبر مرة بعد أخرى على دفع فاتورة صراعات يحرّض عليها آخرون، بينما يراقبون نتائجها من مسافة آمنة.
هذا الإدراك ليس خطابيًا، فقطر أعلنت رفضها تحويل حالة «لا حرب ولا سلام» إلى واقع دائم، وتعمل مع عُمان وباكستان على تمرير الأفكار والمقترحات بين واشنطن وطهران، في جهد وصفته الدوحة بأنه بلغ مراحل متقدمة، مع صياغة لغة اتفاق محتمل يجري تداولها بين الأطراف، وهدف مباشر يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز ووقف التصعيد.
وعُمان، بدورها، صعدت إلى موقع أكثر بروزًا في هذا المسار التفاوضي، مؤكدة دورها التقليدي كقناة اتصال ومساحة سياسية يمكن أن يلتقي فيها الخصوم في أحرج اللحظات، رغم التصريحات المتناقضة وغير المسؤولة وبعضها يصدر من دوائر محسوبة على الإدارة الأمريكية نفسها!
أما السعودية، التي باتت هي الأخرى في قلب تداعيات المواجهة، فإن مصالحها الوطنية في الشمال مع مضيق هرمز والجنوب مع باب المندب، ومشروعاتها الاقتصادية الكبرى تجعل الاستقرار ضرورة استراتيجية لا ترفًا دبلوماسيًا. ومع ذلك، يبدو أن هناك من يريد قلب المعادلة، بحيث تتحول الدعوة إلى وقف الحرب من مسؤولية سياسية إلى تهمة، ويصبح من يسعى إلى خفض التصعيد مطالبًا بالدفاع عن موقفه أمام من لا يقدم بديلًا سوى المزيد من الأزمات والتصعيد.
المتضررون من وقف الحروب
داخل دوائر من النخب السياسية المتنفذة، ووسائل الإعلام، ولوبيات الضغط، ومراكز الأبحاث وصناعة الرأي في الولايات المتحدة والغرب، تنشط تيارات ومؤسسات وشخصيات تتبنى مقاربة يمينية متشددة للشرق الأوسط، وتختزل تعقيداته في معادلة شبه ثابتة: مزيد من الضغوط، مزيد من العزل، مزيد من الردع والقوة العسكرية، على أمل إعادة تشكيل المنطقة بما ينسجم مع المصالح الغربية.
ورغم كل النتائج الكارثية التي خلّفتها هذه المقاربة، لا يزال البعض يصطف خلف الرؤية المتطرفة ذاتها، وكأن عقودًا من الدم والخراب لم تكن كافية لمراجعة هذا الوهم. فقد أثبتت المغامرات العسكرية أن كل حرب جديدة في المنطقة تحمل في داخلها بذور حرب أخرى، وكل فراغ أمني يفتح المجال أمام جماعات مسلحة أكثر تطرفًا، وكل دولة تُضعف أو تنهار تتحول إلى ساحة جديدة للتدخلات والصراعات الخارجية.
ومع ذلك، يواصل دعاة التصعيد تسويق القوة المفرطة باعتبارها الطريق الأقصر إلى الحل، رغم أن تجارب العراق ولبنان وسوريا وغزة وإيران واليمن أثبتت العكس تمامًا: تبدأ الحرب بأهداف محدودة وشعارات واثقة، ثم تتسع الجغرافيا، وتتغير الحسابات، وتتضاعف الكلفة، قبل أن تكتشف المنطقة أنها لم تحل الأزمة الأولى، بل صنعت فوقها أزمات أكثر تعقيدًا وخطورة. والمفارقة أن الذين يفشلون في إنهاء حرب، هم أنفسهم الذين يسارعون في كل مرة إلى الدعوة لبدء حرب جديدة.
إن ما يجري ليس خصومة مع الخليج حصرا، بقدر ما هو فصل من صراع أكبر داخل واشنطن حول العدسة التي ينبغي للولايات المتحدة أن تقرأ بها الشرق الأوسط. هناك تيار محسوب على اللوبي الإسرائيلي يسعى إلى جعل منظور اليمين الإسرائيلي المتشدد الإطار المرجعي الأساسي لفهم المنطقة. ووفق هذا المنطق تنقلب المعايير: يصبح التحدث إلى حماس دليل تواطؤ بدل أن يكون شرطًا تقنيًا للوساطة، ويصبح نقد الاحتلال قرينة عداء لإسرائيل، وتتحول الجامعات التي تتيح خطابًا ناقدًا للحرب إلى بيئات مشتبه في تعرضها لنفوذ خارجي.
وهنا تكمن الخطورة، لأن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة أوسع بكثير من أولويات أي حكومة إسرائيلية بعينها. فلواشنطن مصالح أمنية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وعلاقات مع دول عربية، وحاجة إلى استقرار إقليمي، ومصالح في الطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا، فضلًا عن ضرورة الحفاظ على قدرتها هي نفسها على الوساطة بين أطراف متعارضة، وأي مقاربة تختزل المنطقة في عدسة واحدة تُضعف هذه القدرة بدل أن تعززها.
الأزمات في الشرق الأوسط
تزداد سخونة الملف في الهجوم على دول الخليج مع دخول السياسة الإسرائيلية مرحلة تنافس انتخابي واستقطاب داخلي حاد قبل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر أول انتخابات بعد السابع من أكتوبر 2023. معسكر بنيامين نتنياهو لا يخوض معركة بقاء في السلطة فحسب، بل يدافع عن رؤية سياسية أوسع أصبحت فيها القوى القومية والدينية الأكثر تشددًا شريكًا أساسيًا في الحكم.
لم يعد إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش مجرد شخصيتين متطرفتين على هامش السياسة الإسرائيلية، بل أصبحا تعبيرًا صريحًا عن تيار متجذر داخل بنية الحكم نفسها؛ تيار لا يخجل من الدفاع عن توسيع الاستيطان، ونسف فكرة الدولة الفلسطينية ذات السيادة، وتحويل الاحتلال من وضع يفترض أنه مؤقت إلى مشروع سياسي دائم.
أما بنيامين نتنياهو، فالمفارقة أشد فجاجة: الرجل الذي يقدّم نفسه بوصفه حارسًا للأمن والاستقرار يواجه منذ 21 نوفمبر 2024 مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية اتهامات تشمل استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب والقتل كجريمة ضد الإنسانية في غزة. وعندما تصبح هذه الأسماء في قلب السلطة لا على أطرافها، يصبح الحديث عن مواقف إقصائية نوعًا من التجميل السياسي؛ فالمشكلة لم تعد في وجود متطرفين داخل النظام، بل في أن التطرف نفسه أصبح جزءًا اصيلا من السلطة وأدواتها.
لا تستطيع إسرائيل، ولا القوى الداعمة لليمين فيها في أمريكا والغرب، أن تطلب من العالم العربي أمرين متناقضين إلى ما لا نهاية: توسيع السلام عربيًا وتقليص شروطه فلسطينيًا. لا يمكن مطالبة دول الخليج ودول عربية أخرى بتوسيع مسار التطبيع بينما يتراجع احتمال قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ولا يمكن المطالبة بنظام إقليمي أكثر استقرارًا بينما يستمر الاستيطان وتتكرر الحروب وتتسع ساحات المواجهة في لبنان وسوريا وغيرها.
السلام ليس صورة تذكارية في قمة دولية، ولا سفارة تُفتتح أمام الكاميرات، ولا رحلة مباشرة تُسوَّق بوصفها إنجازًا تاريخيًا. السلام الحقيقي بنية سياسية كاملة تقوم على الاعتراف بأن أمن دولة لا يمكن أن يُبنى طويلًا على حصار شعب، ولا أن يستقر فوق احتلال دائم، ولا أن يتحقق عبر حرمان الآخرين من الأمن والحقوق والسيادة.
وهنا ينكشف تناقض اليمين المتطرف بوضوح: يريد شرق أوسط هادئًا حول إسرائيل، لكنه لا يريد أن يدفع الثمن السياسي لهذا الهدوء. يريد تطبيعًا بلا دولة فلسطينية، واستقرارًا بلا إنهاء للاحتلال، وعلاقات عربية بلا وقف للاستيطان، وأمنًا إسرائيليًا بلا أي التزام بأمن الآخرين. باختصار، يريد نتائج السلام من دون شروطه، ومكاسبه من دون استحقاقاته؛ وهذا ليس مشروع سلام، بل محاولة لفرض واقع القوة ثم مطالبة المنطقة بأن تسميه سلامًا.
الحروب مقابل الاستقرار
المفارقة الصارخة أن الذين يهاجمون اليوم وساطة قطر وعُمان، أو ينتقدون السعودية لأنها ترفض توسيع دائرة الصراع والانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة، لا يقدمون في المقابل أي مشروع سياسي جاد يمكن الدفاع عنه. ما يطرحونه في الغالب ليس تسوية، بل إعادة تدوير للوصفة نفسها التي أثبتت فشلها مرارًا: مزيد من الضغط، مزيد من العقوبات، مزيد من القوة، ومزيد من الانتظار؛ وكأن القوة الغاشمة قادرة وحدها على حل القضية الفلسطينية، وإخضاع لبنان وسوريا، وحسم المواجهة مع إيران، وإعادة تركيب نظام إقليمي مزقته الحروب والانقسامات.
هذه ليست سياسة براغماتية، بل عجز سياسي يُقدَّم في هيئة حزم، وإدارة مستمرة للصراعات تحت شعار الأمن، وتوسيع منهجي للأزمات بدل حلها. فالذين لا يملكون تصورًا لليوم التالي يواصلون دفع المنطقة نحو اليوم الأسوأ، ثم يسمون ذلك ردعًا. وفي النهاية، لا ينتجون أمنًا ولا استقرارًا، بل يؤجلون الانفجار حتى يصبح ثمنه أعلى، وحدوده أوسع، وخرابه أشد.
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...
حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...
ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...
ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...
ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...
بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...
كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...
يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...
ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...