


عدد المقالات 368
لا يتذوق الجمال إلا من اكتملت أركان الإنسانية في قلبه وروحه، وعرف أنّ خلف هذا الجمال مبدعا عظيما. وهناك انسجام تامّ بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وعناصر الجمال التي هيأها الله لآدم وذريته، وإن من ينفر من الجمال ليس سوى إنسان خالط كيانه زفرة من زفرات إبليس الذي يجمّل القبيح ويقبّح الجميل. وقد رأينا أنّ عظماء الإنسانية يقدّرون الجمال، ويرفعون أعمدته عبر الحضارة الإنسانية، ويظهر ذلك جليًا في آثارهم التي تركوها، وأفعالهم وأقوالهم التي خلّدها محبو الجمال وصانعوه.
وفي ذلك يقول سلطان العاشقين، وجذوة التصوف المتلهّبة، وصاحب الروح المولهة المرهّبة، ابن الفارض رحمه الله:
أهفو لأنفاس النسيم تعلةً
ولوجه من نقلت شذاه تشوفي
فالعين تهوى صورة الحُسْن التي
روحي بها تصبو إلى معنى خفي
إذًا، لا يتوقف ابن الفارض عند الجمال العارض، بل يقتاده النسيم العاطر إلى منجم المكنون، ويأخذه الحسن البادي إلى لباب الحسن المصون، وسحابه المسبل الهَتون.
وهذا أبو تمام يعبّر عن الجمال، ناقلًا إلينا بهجة الربيع والربوع، وما ينفح عنها وما يضوع، وما لبست الأرض من حلاها سبحان من كساها، قائلًا:
يا صاحــــــبيّ تقَصَّيا نظريكما
تريا وجوه الأرض كيف تَصوّرُ
تريا نهارًا مشمسًا قــــــــد شابه
زهر الربا فكأنما هو مقمر
دُنيا معـــاشٌ للورى حـــــتى إذا
جُلي الربيع فـــــإنما هي منظرُ
أضحت تصوغ بطونُها لظهورها
نَورًا تكاد له القلوب تنوّرُ
مصفرّة محمرّة فكأنها عصبٌ تُيمّـنُ في الوغى وتمضّرُ
من فاقع غضّ النبات كأنه
درّ يشقق قبل ثمّ يزعفر
أو ساطع في حمرة فكأن ما
يدنو إليه من الهواء معصفرُ
صنعُ الذي لولا بدائع صنعه
ما عاد أصفرَ بعد إذ هو أخضرُ
تبارك المبدع الصانع، تبارك المغيث الزارع، تبارك من يعطي الأرض زينتها وزخرفها، ثم تصفر ثم تكون حطاما، لوحة بديعة صيغت بكلمات بليغة نابعة عن نفس جميلة تحب الجمال وتنسبه إلى الجميل سبحانه.
لقد عمل أبو تمام بقوله تعالى (اُنْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيْنْعِهِ)، وأطاع الله في التفكر والتأمل في الملكوت، فلم يسعه السكوت، بل تفجر من سحر البيان الحلال، لِيَصفَ لنا الدنيا التي تكون معاشًا حتى يأتي الربيع فتكون منتزهًا للسائحين، وكيف يخرج من بطن الأرض النسغ وماء الحياة، فيتحول إلى الزهر والنوار الذي ينور القلوب والأبصار، وكيف اكتست الأرض بأحمر الزهر وأصفره، فكانت كساحة المعركة التي يشتجر فيها جنود المضرية مع اليمانية، ولكل فريق لون مختلف من السوابغ والأقنعة والأمتعة.
وأخيرًا، ما أحوجنا إلى تذوق الجمال بنية التعبد والتقرب زلفى إلى الله الجميل، لأننا ونحن جميلون نكون أشد جذبًا ودعوة إلى الله، وأكثر دلالة على آثاره فينا، وآلائه علينا، وحقيقة، إنّ تقصي ضروب الجمال يطول لمن أراد، فهناك جمال الأفعال التي تعكس رتابة الإنسان وإنسانيته وتظهر تمايزه من سائر المخلوقات التي لا تعقل، وهناك جمال القول الذي يترجم معاني الجمال، ويطبب ويؤنس ويواسي، وقد جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا، فمن كان قلبه مكتنزا بالجمال ظهر ذلك على لسانه. كذلك، هناك جمال المواقف عند من يتقنون حسن التخلص واجتناب الإحراج واللجاج وتضييق الحِجاج. جعلنا الله ممن يتذوقون الجمال، فيرتقون في حب الله الجميل، فيكون سمعهم وبصرهم ودليلهم.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
قالها لي أحدهم يومًا عندما وصلنا في النقاش إلى طريق مسدود، لكن من دون علمي بما يعنيه الصفر في أسفار العلم والأدب، والقيم والأخلاق، فالصفر هو أنت عندما تقرر أن تكون متجددًا، وعندما تريد أن...
كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...
وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...
كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...
لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...
لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...
بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...
أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...
منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...
أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...
لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...