alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 117

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

11 يونيو 2026 , 10:26م

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 17]، فقد ركزت حجته عليه السلام على بيان عجز الأوثان عن جلب النفع أو دفع الضر، فضلًا عن عجزها عن امتلاك الرزق للناس، مع التأكيد على أن الله تعالى وحده هو الرازق المتفضل على عباده. 1. {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا}: {إِنَّمَا} أداة قصر، أي: أن كل ما تعبدون من دون الله هو وثن، والوثن لا ينفع ولا يضرّ (النابلسي، 9/201)، وهو ما وضع للتقديس من حجر، أياً كان نوعه، حجر جيري، أو جرانيت أو مرمر أو كان من معدن، ذهب أو فضة أو نحاس.. إلخ، أو من خشب، وقد كان البعض منهم يصنعه من «العجوة»، فإن جاع أكله وقد حَكَى هذا على سبيل التعجّب سيدنا عمر رضي الله عنه، وبأيِّ عقل أو منطق أنْ تذهب إلى الجبل وتستحسن منه حجراً فتنحته على صورة معينة، ثم تتخذه إلهاً تعبده من دون الله، وهو صَنْعة يدك، وإنْ أطاحتْ به الريح أقمتَه، وإنْ كسرته رُحْت تُصلح ما تكسَّر منه وتُرمِّمه، فأيُّ عقل يمكن أن يقبل هذا العمل؟ (الشعراوي، 18/11108). 2. {... وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا}: إنَّ كل ما تعبدونه من دون الله هي أوثان لا تنفع ولا تضرّ، وأما التعليلات والتفسيرات والتمهيدات والتحليلات، فهذه كلها كذب في كذب وإفك في إفك، والإفك هو تعمد الكذب الذي يقلب الحقائق (الشعراوي، 18/11108). ويقول إبراهيم - عليه السّلام -: أنتم تتحدثون عن هذه الأصنام وكأنها شيء له فعل وعمل، يمنح ويمنع، يغضب ويرضى، وتحيطون هذه الأوثان بهالة من القدسية، وتوهمون الناس أنّها مقدسة وتفترون على الله تعالى الكذب، فهذا كلّه كلام لا أصل له، إنّه اختلاف وافتراء ليس له معنى، والواقع لا يؤكده إذ هذا الذي تعبدونه صنماً لا ينفع ولا يضرّ، وهذا الكلام الذي تتعللون به كلام كاذب، والدليل أن هذه الأصنام {لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} (النابلسي، 9/201). 3. {...إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} وفي موضع آخر بيّن لهم إبراهيم - عليه السّلام - أنهم يعبدون آلهة لا تضرُّ ولا تنفع، وهنا يذكر مسألة مهمة في استبقاء الحياة للإنسان بالقوت الذي نسميه الرزق، فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تملك لكم رزقاً، ولو امتنع عنكم المطر وأجدبت الأرض لمُتّم من الجوع. إذن: كان عليكم أن تتأملوا: من أين تأتي مقومات حياتكم، ومن صاحب الفضل فيها، فتتوجهون إليه بالعبادة والطاعة (الشعراوي، 18/11109). 4. {... فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ}: والرزق مشغلة النفوس، وخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان، ولكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة، لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس (سيد قطب، 5/2728). فإبراهيم - عليه السّلام - بيّن لقومه أن يلتمسوا من الله الرزق لا من عند أوثانهم، بذلك يصلون إلى الحقيقة، وقد دلهّم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، فالرزق بيد الله تعالى، فهو مالكه ومقدّره وميسّر أسبابه، والخلق لا يملكون من ذلك شيئاً إلا بأمر الله تعالى، والله تعالى هو الذي بيده وحده توسعة الرزق وقسمته وفق مشيئته، وليس ذلك لأحد من الخلق، فطلب الرزق وابتغاؤه لا يكون إلا من عند الله تعالى؛ لأنَّه وحده القادر عليه وهو بيده سبحانه، فهو المستوجب للعبادة والشكر وإليه المرجع والمصير. وكل مخلوق قد قُدر رزقه وعُلم عند الله تعالى، وهو سبحانه يهيئ لخلقه أسباب حصولهم على رزقهم ووصوله إليهم، وفق تلك الأسباب التي جعل أمر تلمسها والبحث عنها والأخذ بها من العبادة له جلّ جلاله، وقد تلغى هذه الأسباب كلّها أو بعضها بمشيئته سبحانه في حق بعض خلقه لحكمة يريدها، ولكن ذلك ليس هو القاعدة، بل هو استثناء منها، فالقاعدة هي الأخذ بالأسباب. لا أحد يستطيع أن يأتي بالرزق للناس إن أمسكه الله تعالى، وهذه حقيقة يجب أن يعيها كلّ مسلم؛ لأن مصادمتها أو الإعراض عنها حمق ونفور عن الحق المبين، قال تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك:21]. إنّ قضية الرزق خطيرة ودقيقة في حياة الإنسان، وأحداث الماضي والحاضر توضح أن لقمة العيش قد يستعبد الإنسان بسببها لغيره من بني الإنسان، ولذلك جاء القرآن في هذه القضية بالبيان الشافي تحريراً للإنسان من العبودية لسواه من بني الإنسان، فهو ليس عبداً إلا لله تعالى خالقه ورازقه، فبيّن القرآن أن الله تعالى هو الحقيق بأن يعبد دون سواه لأنه خالق الخلق ومالك الرزق، فلا يُبتغى الرزق إلا عنده ولا يُعبد بحق ولا يشكر بحق إلا هو جل جلاله فمنه البداية وإليه النهاية (البيرة، ص 73).

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة.. التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله (1-6)

شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...