


عدد المقالات 125
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد والعدة بقدر ما يتحقق بالتوكل والاعتماد على الله والثبات على الإيمان. وقد صوّر القرآن الكريم مشاهد هذه الغزوة تصويرًا بليغًا؛ بدءًا من إعجاب المسلمين بكثرتهم، مرورًا بلحظة الاضطراب والهزيمة، ثم نزول السكينة الإلهية ونصر الله لعباده المؤمنين. ومن خلال هذه الآيات تتجلى معانٍ عظيمة في التربية الإيمانية، وتظهر سنن الله في النصر والهزيمة، لتبقى هذه القصة القرآنية مصدر هداية وعبرة للمؤمنين في كل زمان ومكان.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 25 - 27].
في الآيات السَّابقة تصويرٌ بيانيٌّ بديعٌ لحال المسلمين، فيه تنقُّلٌ بالسَّامع من صورةٍ إلى صورة: من صورة المسلمين؛ وهم معجبون بكثرتهم، مسرورون بها، إلى صورة فشلهم، وهزيمتهم مع هذه الكثرة، فلم تنفعهم، إلى صورة الخوف الَّذي أصابهم حتَّى لم تعد الأرض تسعهم، وأقفلت منافذها في وجوههم إلى الصُّورة الحسِّيَّة لهذا الفشل في الفرار، والنُّكوص، وتولية الأدبار حتَّى لم يبقَ حول النَّبي (ﷺ) إلا القليل، وبعد الخوف الشَّديد الَّذي أصاب المؤمنين في مبدأ لقائهم بأعدائهم في غزوة حنين يجيء نصر الله؛ الَّذي عبَّر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
السَّكينة: الطُّمأنينة، والرَّحمة، والأمنة، وهي من السُّكون، وهو ثبوت الشَّيء بعد التَّحرُّك، أو من السَّكن، وهو كل ما سكنَت إليه، واطمأنت به من أهلٍ، وغيرِهم (آل عابد، ص 2/598).
وقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: قال القاسميُّ: أي: تسكنون، وتثبتون به من رحمته، ونصره، وانهزام الكفار، واطمئنان قلوبهم للكرِّ بعد الفرِّ، وقوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ قال الطبري: أي: وعذَّب الذين كفروا بالقتل، والسَّبي، والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدُّنيا ما داموا يستحبُّون الكفر على الإيمان، ويعادون أهله، ويقاتلونهم عليه.
ثمَّ قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: ويتوب الله من بعد هذا التَّعذيب على من يشاء من المشركين بأن يوفقهم للدُّخول في الإسلام، والله غفورٌ رحيمٌ لمن تاب، وآمن، فرحمتُه وسعت كلَّ شيءٍ (المراغي، ص 4/87).
قال سيِّد قطب في كتابه (ظلال القرآن): «فبابُ المغفرة دائماً مفتوحٌ لمن يخطئ، ثمَّ يتوب، إنَّ معركة حُنين الَّتي يذكرها السِّياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله، والاعتماد على قوَّةٍ غير قوَّته لَـتَكْشِفُ لنا حقيقةً أخرى ضمنيَّةً، حقيقة القوى الَّتي تعتمد عليها كلُّ عقيدة. إنَّ الكثرة العدديَّة ليست بشيءٍ، إنَّما هي القلَّة العارفة، المتَّصلة، الثَّابتة، المتجرِّدة للعقيدة، ..... لقد قامت كلُّ عقيدةٍ بالصَّفوة المختارة، لا بالزَّبد الَّذي يذهب جُفاءً، ولا بالهشيم الَّذي تذروه الرِّياح».
إنَّ غزوة حنين سُجِّلت في القرآن الكريم؛ لكي تبقى درساً للأمَّة في كلِّ زمانٍ، ومكان، ولقد عُرِضَتْ في القرآن الكريم على منهجيَّة ربانيَّة كان من أهم معالمها الآتي:
أ - بيَّن القرآن الكريم أن المسلمين أصابهم الإعجاب بكثرة عددهم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، ثم بيَّن القرآن أنَّ هذه الكثرة لا تفيد ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾.
ب - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ المسلمين انهزموا، وهربوا ما عدا النَّبيِّ (ﷺ)، ونفرٌ يسيرٌ من أصحابه. قال تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
ج - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ الله نصر رسوله (ﷺ) في هذه المعركة، وأكرمه بإنزال السَّكينة عليه، وعلى المؤمنين. فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
د - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ الله أمدَّ نبيَّه محمَّداً (ﷺ) بالملائكة في حنين. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. وأكَّد - سبحانه - على أنَّه يقبل التَّوبة من عباده، ويوفِّق مَنْ شاء إليها. قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
المراجع:
1. آل عابد، محمد بكر، حديث القرآن عن غزوات الرَّسول (ﷺ)، دار الغرب الإسلاميِّ، الطَّبعة الأولى.
1. المراغي، أحمد مصطفى، تفسير المراغي ، طبع دار الفكر - بيروت، الطَّبعة الثالثة، 1394 هـ.
2. الصلابي، علي محمد، (2021)، السيرة النبوية، ج 2، ط11، دار ابن كثير، 2021، ص 444-446.
قبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئاً عما يجري في الآماد البعيدة من السماء، فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عداً،...
تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...
إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...