alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 106

رأي العرب 13 مارس 2026
الأولوية للتعليم الآمن
فضيلة الشيخ د. عبدالعزيز بن عبدالله آل ثاني 12 مارس 2026
بادر قبل أن يغادر

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

14 مارس 2026 , 11:44م

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان هذه الأصول قول الله تعالى: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136]، حيث تضع هذه الآية الكريمة الأساس الشامل لعقيدة المسلم، وتُظهر وحدة الرسالات السماوية في أصلها القائم على التوحيد والخضوع لله تعالى. كما تؤكد أن المؤمن الحق يعلن عقيدته بلسانه، ويصدقها بقلبه، ويترجمها عملاً وسلوكاً في حياته، فيجتمع في إيمانه التصديق والإقرار والعمل. ومن خلال تأمل معاني هذه الآية يتجلى شمول الإسلام في الإيمان بالأنبياء والكتب جميعاً، وخصوصية الأمة الإسلامية في عدم التفريق بين الرسل، مع إخلاص العبودية لله وحده، الأمر الذي يبرز عظمة هذا الدين وكمال منهجه في بناء العقيدة وترسيخ الإيمان، ويميّزه عن غيره من الأديان الباطلة والرسالات المحرّفة. قال تعالى: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136]: تفسر هذه الآية الكريمة {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}، وقد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به، واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح - وهو بهذا الاعتبار - يدخل فيه الإسلام وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان وأثر من آثاره، فحيث أطلق الإيمان دخل فيها ما ذكر، وكذلك الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما كان الإيمان اسماً لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام اسم للأعمال الظاهرة، وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة (السعدي، 1/96). • فقوله تعالى {قُولُوا}: أي بألسنتكم متواطئة عليها قلوبكم، وهذا القول التام المترتب عليه الثواب والجزاء، فكما أن النطق باللسان من دون اعتقاد القلب نفاق وكفر، فالقول الخالي من العمل عمل القلب عديم التأثير قليل الفائدة وإن كان العبد يؤجر عليه إذا كان خيراً ومعه أصل الإيمان لكن فرق بين القول المجرد والمقترن به عمل القلب. وفي قوله {قُولُوا}: إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه. وفي قوله {آَمَنَّا}: ونحوه مما في صدور الفعل منسوباً إلى جميع الأمة، إشارة إلى أنه يجب على الأمة الاعتصام بحبل الله جميعاً، والحثّ على الائتلاف حين يكون داعمهم واحداً وعملهم متحداً، وفي ضمنه النهي عن الافتراق وفيه أن المؤمنين كالجسد الواحد. • وفي قوله {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ} أي: بأنه واجب الوجود واحد أحد، متصف بكل صفة كمال، منزّه عن كل نقص وعيب، مستحق لإفراده بالعبادة كلها وعدم الإشراك به في شيء بوجه من الوجوه (السعدي، 1/96). • وفي قوله {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}: يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من صفات الباري وصفات رسله واليوم الآخر والغيوب الماضية والمستقبلية، والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية وأحكام الجزاء وغير ذلك. وفي قوله {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى}، فيه الإيمان بجميع الكتب على جميع الأنبياء والإيمان بالأنبياء عموماً وخصوصاً ما نصّ عليه في الآية لشرفهم ولإتيانهم بالشرائع الكبار، فالواجب في الإيمان بالكتب أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول ثم ما عرف منهم بالتفصيل وحب الإيمان به مفصلاً (السعدي، 1/96). • وفي قوله {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} أي: بل نؤمن بهم كلهم، هذه خاصية المسلمين التي انفردوا بها عن كل من يدعى أنه على دين، فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل، والكتب، فإنهم يكفرون بغيره فيفرقون بين الرسل، والكتب، بعضها يؤمنون به وبعضها يكفرون به، وينقض تكذيبهم تصديقهم، فإن الرسول الذي زعموا أنهم قد آمنوا به قد صدق سائر الرسل وخصوصاً محمداً صلّى الله عليه وسلّم، فإذا كذبوا محمداً فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به فيكون كفراً برسولهم (السعدي، 1/97). • وفي قوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ}: دلالة على أن عطية الدين هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية، لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال وغيره، بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع وفيه أن الأنبياء مبلغون عن الله ووسائط بينه وبين خلقه في تبليغ دينه، ليس لهم من الأمر شيء. • وفي قولهم {مِنْ رَبِّهِمْ}: إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته لعبادة أن ينزل عليهم الكتب ويرسل إليهم الرسل، فلا تقتضي ربوبيته تركهم سدى ولا هملاً وإذا كان ما أوتي النبيون إنما هو من ربهم ففيه الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة، وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد معرفة ما يدعون إليه، فالرسل لا يدعون إلا لخير ولا ينهون إلا من كل شر وكل واحد منهم يصدق الآخر ويشهد له بالحق من غير تخالف ولا تناقض لكونه من عند ربهم {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} وهذا بخلاف من ادعى النبوة، فلا بُدَّ أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم كما يعلم ذلك من سير أحوال الجميع وعرف ما يدعون إليه (السعدي، 1/97). فلما بيّن تعالى جميع ما يؤمن به عموماً وخصوصاً، وكان القول لا يغني عن العمل، قال: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي: خاضعون لعظمته منقادون لعبادته بباطننا وظاهرنا مخلصون له العبادة بدليل تقديم المعمول وهو {لَهُ} على العامل وهو {مُسْلِمُونَ} (السعدي، ص 1/97). فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على إيجازها واختصارها على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. واشتملت على الإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب وعلى التخصيص الدال على الفضل بعد التعميم وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده كيف يقولون، ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (السعدي، ص 1/97). المصادر والمراجع: 1. السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تفسير السعدي «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان». 2. الصلابي، علي محمد، نبي الله إسحاق ويعقوب عليهما السلام.

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

سبيل الرشاد في دعوة مؤمن آل فرعون لقومه

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...

معالم تربية الفرد والمجتمع المسلم في خطبة حجّة الوداع

وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...

التكبر عن الحق وأثره في حجب القلوب عن الهداية

يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...

الانطلاق الحضاري بعد الطوفان.. الأسس الإيمانية والمرتكزات الإنسانية

يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...

من سمات التجربة الشورية في عهد الصديق رضي الله عنه

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...

فضائل الاستغفار في دعوة نوح عليه السلام لقومه

الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...

فضل القيام في شهر الصيام

قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...

الظلم وأثره في خراب المجتمعات وهلاك الأمم

الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن...

أهمية حفظ اللسان في شهر رمضان المبارك

لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام...

أهمية وفضل المساجد والاعتكاف فيها في شهر رمضان

إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد...

أهمية وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى في شهر رمضان المبارك

شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...