alsharq

مريم ياسين الحمادي

عدد المقالات 419

المجتمعات المتوحشة

05 أبريل 2025 , 10:57م

في مداخلة من الدكتور بسام ضويحي رئيس مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية، حول تعليقي على موضوع الهوية الوطنية، قال فيه «موضوع مهم، المجتمعات الغربية اليوم تعاني الكثير من فقدان العادات والتقاليد التي تربط الفرد بالأسرة والمجتمع والقيم الفطرية وهذا نجم عنه كما يسمونه في العلوم النفسية والاجتماعية اليوم المجتمعات المتوحشة». مصطلح مخيف ! فقد شهدت المجتمعات وخاصة الغربية تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، تُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والأسرة، وبين الإنسان ومجتمعه، في ظل تنامي نماذج الفردانية والتفكك القيمي. والانفصال المتدرج عن العادات والتقاليد الراسخة، وما تمثله من روابط طبيعية وفطرية، أنتج ظاهرة ما يسميه علماء الاجتماع المعاصرون بـ”المجتمعات المتوحشة” هذا المصطلح يستخدم كتشخيص لحالة اجتماعية فقدت فيها المجتمعات قدرتها على احتضان الفرد، وتوجيهه، وحمايته من العزلة والاغتراب، رغم التقدم التكنولوجي والرفاه المادي. والأسباب ترتبط بالعادات والتقاليد، التي تعتبر شبكة أمان إنسانية، فقد كانت العادات والتقاليد تؤدي دوراً رئيسياً في حفظ التوازن الاجتماعي: فهي من تُنظم العلاقات الأسرية، وتحدد سلوك الفرد داخل الجماعة، وتُرسّخ مفاهيم الانتماء، والمسؤولية، والاحترام. وما حدث في المجتمعات الغربية الحديثة، فقد جرى تفكيك هذه الروابط تحت شعارات “التحرر” و”الاستقلال الفردي”، ما أدى إلى تآكل العلاقة بين الأجيال، وتراجع دور الأسرة، وانفصال الفرد عن محيطه الأخلاقي والاجتماعي. فأصبح الفرد كياناً مستقلًا يرفض الإرشاد، ويتحرّك في فضاء لا مرجعية فيه إلا الذات. كما ترتبط بالفردانية حيث ارتبط مفهوم “المجتمعات المتوحشة” بنموذج الحرية الذي تم فصله عن المسؤولية. حيث أصبحت حرية القرار مطلقة، ولو على حساب التماسك الأسري، أو العلاقة بين الوالدين وأبنائهم، أو الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمع. هذا النموذج ولّد نوعًا من التوحش السلوكي، لا بمعناه العدواني، بل من حيث غياب الضوابط الفطرية التي توازن بين الحرية والواجب، وبين الذات والآخر، وبين الغريزة والعقل، لذا تظهر الدراسات النفسية الحديثة تزايداً في معدلات العزلة، الاكتئاب، الانتحار، وغياب المعنى لدى الأفراد في هذه المجتمعات، رغم وفرة الخيارات والحقوق. ومن أهم الأسباب غياب دور الأسرة كنواة للمجتمع، وما ترتب عليه من مظاهر لتفكك الأسرة التقليدية: تزايد حالات الطلاق، ضعف العلاقة بين الأجيال، فقدان الشعور بالدفء الأسري، تطبيع أنماط أسرية جديدة لا ترتكز على المسؤولية والتكامل. لقد تجاوز الأمر أن يكون غياب الأسرة بمفهوم الأب والأم بل أصبح فقدان الحاضنة التربوية التي تُنقل فيها القيم، وتُصقل فيها الشخصية، ويُكتسب منها الشعور بالانتماء. الحقيقة أن ما وصلت له الحضارة، يحتاج إعادة النظر فيما آلت له مفاهيم ارتبطت لدى الأفراد بالحضارة، هل يعني التقدم أن نقطع صلتنا بالفطرة؟ هل يعني الاستقلال أن نلغي الأسرة؟ هل تعني الحرية أن نرفض أي توجيه أخلاقي أو اجتماعي؟ هل يعني التحضر أن ننسلخ من ديننا وعاداتنا وتقاليدنا؟! إن المجتمعات لا تقاس فقط بقوتها الاقتصادية أو حرياتها القانونية، والتي أصبح فيه مستخدمو القانون متلاعبين بمعانيه وتفسيراته، حتى خلت من الأهداف لوضع هذه القوانين بل وأصبحت معوقة أحياناً لكونها قوانين بشرية تدار وفقا للمصالح. إن قوة المجتمعات بقوة نسيجها الاجتماعي، ومتانة العلاقات بين أفرادها، ومدى حفاظها على القيم التي تحفظ إنسانية الإنسان. الخلاصة هنا: المجتمعات المتوحشة ليست حتمية، بل نتيجة خيارات ثقافية متراكمة. ويمكن دائمًا استعادة التوازن حين ندرك أن الإنسان لا يعيش بالفردية فقط، بل بالحوار، والانتماء، والارتباط، وبالعادات التي تحفظه من الانزلاق إلى العبث، ومما يعتقده البعض تمدنا أو تحضرا للمحافظة على ما تبقى من سمات الإنسانية بفطرتها السليمة. الحاجة الماسة اليوم للارتقاء الواعي، الذي يحفظ الإنسان من التحول إلى كائن رقمي يعيش بوحدة، في صخب التقنية، ويفتقد صفات الإنسانية ودفء الروحانية. والسبيل لذلك المجتمعات المتماسكة، من أجل حواضن تربوية سليمة. @maryamhamadi

كفاءة الإنفاق.. مسؤولية دولة ووعي مجتمع

منذ تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني «حفظه الله» مقاليد الحكم، صدرت توجيهاته السامية للشعب من خلال كلمات خالدة وجَّهها في مناسبات عديدة، وأستحضر هنا ما قاله سموه في نوفمبر 2014...

إعادة هندسة الممارسات الاجتماعية

أتاحت أدوات وقنوات التواصل الاجتماعي اليوم مساحات واسعة للنقاش حول تفاصيل الحياة اليومية، من القيم إلى السلوكيات، ومن العادات إلى أنماط الاستهلاك. غير أن هذه النقاشات تكشف حقيقة أعمق: نحن لا نعيش مجرد تغيرات عابرة،...

سيادة الإعلام

نحتفي في شهر أبريل بأيام الإبداع والفكر، حيث يُحتفى باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، واليوم العالمي للإبداع والابتكار، واليوم العالمي للملكية الفكرية. وفي هذا التزامن، تتجدد الحاجة إلى إعادة قراءة موقع الإعلام في منظومة التحول...

اليقين واللا يقين

اليقين واللا يقين، مفردات نتناولها، ترتبط بالإيمان والثقة، وشرعاً اليقين: أن يكون الإنسان مؤمناً بالله عن جزمٍ ويقين، يؤمن بأن الله ربه، معبوده الحق، وأنه لا يستحق العبادة سواه، وأنه خالق كل شيء، وأنه الكامل...

تستمر الحياة

في أوقات الحروب وما تخلّفه من تداعيات مركّبة، لا يُقاس تماسك الدول والمجتمعات بقدرتها على المواجهة المباشرة فقط، بل بمدى قدرتها على حماية استمرارية الحياة العامة: التعليم، والعمل، والخدمات، والنسيج الاجتماعي. هذه الاستمرارية تمثل أحد...

تحت بشت واحد

في لحظة عفوية صادقة، قالها صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، عبارة بقيت في الذاكرة الجمعية: لو أمكن لوضع شعبه «تحت بشته». البشت ليس لباسا تقليديا فقط، بل رمز للمكانة...

حِيل الحروب

في الحروب، النصر ليس دائماً للأقوى، بل كثيراً ما يكون لمن يفهم كيف يُدير الموقف بذكاء. ولهذا ظهرت عبر التاريخ ما يُعرف بحِيل الحروب، وهي ببساطة طرق ذكية يُستخدم فيها الإيهام أو التمويه أو التوقيت...

حرب بولينج

لابد أنكم تعرفون لعبة البولينج، هي لعبة تلعب فرديًّا أو جماعيًّا، حيث يقذف اللاعبون بكرة كبيرة مصنوعة من اللدائن الثقيلة الوزن لإصابة أكبر عدد ممكن من القطع الخشبية الموضوعة في نهاية مضمار طويل وتحتسب نقطة...

الحرب خدعة

قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام: «الحرب خدعة» (رواه البخاري ومسلم)، وهي قاعدة عميقة في فهم طبيعة الصراعات عبر التاريخ. فالحرب لم تكن يوماً مواجهة عسكرية فقط، بل كانت دائماً ساحةً للمعلومة، والإشاعة، والتأثير النفسي،...

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾

الأمن نعمة عظيمة تقوم خلفها جهودٌ كبيرة، وتضحياتٌ مستمرة، ويقظةُ رجالٍ يسهرون ليبقى الوطن آمناً مطمئناً. هم رجالنا وأبناؤنا وإخواننا، هم الأهل وأبناء الفريج. نعم، هي قطر الدولة، هي الفريج الواحد، والأسرة الواحدة، والراية الواحدة،...

ربِّ احفظ هذا البلد آمناً

من أجمل العبارات التي تداولها الناس في هذا الوضع في دولة قطر والدول المجاورة، عبارة: «غادر الأخبار والزم مصحفك، للوطن ربٌّ يحميه، وللأحداث رجالها، ورمضان لا يُعوَّض». نعم، كلٌّ يقوم بدوره؛ فمن يقوم بالحماية يقوم...

فكرة الزمن والتحول: كيف تتغير الأدوار دون أن تتغير القيم؟

الزمن لا يعيد تشكيل الأدوار من فراغ، بل يفعل ذلك انطلاقًا مما تراكم من تجربة وفهم واتساع في الرؤية. ومع تغيّر المراحل، تتطور الطرق التي نؤدي بها الأدوار، بينما تبقى القيم ثابتة، تؤدي دورها كمرجعية...