alsharq

مريم ياسين الحمادي

عدد المقالات 418

حرب بولينج

21 مارس 2026 , 11:46م

لابد أنكم تعرفون لعبة البولينج، هي لعبة تلعب فرديًّا أو جماعيًّا، حيث يقذف اللاعبون بكرة كبيرة مصنوعة من اللدائن الثقيلة الوزن لإصابة أكبر عدد ممكن من القطع الخشبية الموضوعة في نهاية مضمار طويل وتحتسب نقطة لكل قطعة تسقطها الكرة، الفائز هو من يسقط القطع الخشبية، وبتكنيك ذكي أو أحياناً بالصدفة يمكن لضربة أن تسقط قطعة واحدة لتسقط الجميع، فالموضوع ليس مسألة ضربة واحدة… بل ترتيبٌ لما سيسقط بعدها في ظاهر المشهد، قد تبدو بعض الأحداث وكأنها تقع دفعة واحدة، كضربة كرة في لعبة بولينج تُسقط الأهداف تباعاً. حركة واحدة، ونتائج متسارعة، يبدو وكأنها وليد اللحظة. لكن الحقيقة، في كثير من الأحيان، أبعد من ذلك بكثير. فليس كل ما يحدث بسبب الضربة فقط، بل بسبب الترتيب الذي سبقها. هذا هو جوهر إدارة الصراعات في عصرنا؛ حيث لا تُبنى النتائج عند لحظة التنفيذ، بل قبلها بوقت طويل. تُدرس المواقع، وتُفهم العلاقات، وتُحدد نقاط التأثير، ثم تأتي “الضربة” في توقيت محسوب، لتُحرّك سلسلة من النتائج تبدو للمتلقي وكأنها متتابعة وعفوية، بينما هي في حقيقتها نتاج تصميم دقيق. المسألة لا تتعلق بالمهارة فقط، بل بفهم كيفية اصطفاف الأهداف، وزاوية الضربة، وقوة الدفع، والمسار المتوقع بعد الاصطدام الأول. الهدف ليس إسقاط هدف واحد، بل تحريك البقية ليُسقط بعضها بعضاً. وهنا، لا يكون النجاح في القوة، بل في دقة التأثير. وعندما تتجلى هذه الفكرة في إدارة الأحداث، التي تتحرك خارج السيطرة، تبقى المرتبطة بنا حيث تُبنى الرسائل، وتُختار اللحظات، وتُوجّه الانتباهات، بحيث يؤدي حدث واحد إلى سلسلة من التفاعلات: رأي عام يتشكل، ومشاعر تتحرك، ومواقف تتبدل، دون أن يكون الجميع واعياً بما يجري خلف هذا التسلسل. لكن ما يهمنا هنا ليس تحليل “الضربة”، بل فهم موقعنا منها. هل نحن مجرد متلقين نشاهد الأهداف وهي تسقط، أم أننا جزء من هذا التتابع دون أن نشعر؟ في هذا الوقت أكثر الأمور أهمية، الوعي، حيث يتحول التفاعل غير الواعي إلى امتداد لذلك الأثر. وكأفراد فإن مشاركة خبر، أو تعليق سريع، أو تبنّي انطباع دون تحقق، قد يكون بمثابة “دفعة إضافية” في سلسلة بدأت قبلنا. وهنا، لا يكون التأثير في الحدث ذاته، بل في تضخيمه أو استمراره. إن الوعي في هذا السياق لا يعني الانسحاب من متابعة ما يحدث، بل يعني فهم أن ما نراه ليس دائماً البداية، وأن كل نتيجة لها سياق، وكل تسلسل له ترتيب سابق. فحين ندرك ذلك، نُصبح أكثر قدرة على التمييز، وأقل قابلية للانجراف مع أول انطباع. ولعل الأهم من ذلك، أن ندرك أن القوة ليست دائماً في الحركة، بل في التريث. ليس في سرعة التفاعل، بل في جودة الفهم. وليس في مواكبة كل ما يحدث، بل في اختيار ما يستحق أن يُمنح انتباهنا. في النهاية، قد لا نملك التحكم في “الضربة”، لكننا نملك أن نختار: هل نكون جزءاً من السقوط المتتابع… أم جزءاً من وعي يقرأ المشهد قبل أن يندمج فيه؟ لأن ما يبدو ضربة واحدة.. قد يكون في الحقيقة بداية سلسلة لا تُرى إلا لمن يتأمل أو يقف بعيداً لينظر للمشهد.

إعادة هندسة الممارسات الاجتماعية

أتاحت أدوات وقنوات التواصل الاجتماعي اليوم مساحات واسعة للنقاش حول تفاصيل الحياة اليومية، من القيم إلى السلوكيات، ومن العادات إلى أنماط الاستهلاك. غير أن هذه النقاشات تكشف حقيقة أعمق: نحن لا نعيش مجرد تغيرات عابرة،...

سيادة الإعلام

نحتفي في شهر أبريل بأيام الإبداع والفكر، حيث يُحتفى باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، واليوم العالمي للإبداع والابتكار، واليوم العالمي للملكية الفكرية. وفي هذا التزامن، تتجدد الحاجة إلى إعادة قراءة موقع الإعلام في منظومة التحول...

اليقين واللا يقين

اليقين واللا يقين، مفردات نتناولها، ترتبط بالإيمان والثقة، وشرعاً اليقين: أن يكون الإنسان مؤمناً بالله عن جزمٍ ويقين، يؤمن بأن الله ربه، معبوده الحق، وأنه لا يستحق العبادة سواه، وأنه خالق كل شيء، وأنه الكامل...

تستمر الحياة

في أوقات الحروب وما تخلّفه من تداعيات مركّبة، لا يُقاس تماسك الدول والمجتمعات بقدرتها على المواجهة المباشرة فقط، بل بمدى قدرتها على حماية استمرارية الحياة العامة: التعليم، والعمل، والخدمات، والنسيج الاجتماعي. هذه الاستمرارية تمثل أحد...

تحت بشت واحد

في لحظة عفوية صادقة، قالها صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، عبارة بقيت في الذاكرة الجمعية: لو أمكن لوضع شعبه «تحت بشته». البشت ليس لباسا تقليديا فقط، بل رمز للمكانة...

حِيل الحروب

في الحروب، النصر ليس دائماً للأقوى، بل كثيراً ما يكون لمن يفهم كيف يُدير الموقف بذكاء. ولهذا ظهرت عبر التاريخ ما يُعرف بحِيل الحروب، وهي ببساطة طرق ذكية يُستخدم فيها الإيهام أو التمويه أو التوقيت...

الحرب خدعة

قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام: «الحرب خدعة» (رواه البخاري ومسلم)، وهي قاعدة عميقة في فهم طبيعة الصراعات عبر التاريخ. فالحرب لم تكن يوماً مواجهة عسكرية فقط، بل كانت دائماً ساحةً للمعلومة، والإشاعة، والتأثير النفسي،...

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾

الأمن نعمة عظيمة تقوم خلفها جهودٌ كبيرة، وتضحياتٌ مستمرة، ويقظةُ رجالٍ يسهرون ليبقى الوطن آمناً مطمئناً. هم رجالنا وأبناؤنا وإخواننا، هم الأهل وأبناء الفريج. نعم، هي قطر الدولة، هي الفريج الواحد، والأسرة الواحدة، والراية الواحدة،...

ربِّ احفظ هذا البلد آمناً

من أجمل العبارات التي تداولها الناس في هذا الوضع في دولة قطر والدول المجاورة، عبارة: «غادر الأخبار والزم مصحفك، للوطن ربٌّ يحميه، وللأحداث رجالها، ورمضان لا يُعوَّض». نعم، كلٌّ يقوم بدوره؛ فمن يقوم بالحماية يقوم...

فكرة الزمن والتحول: كيف تتغير الأدوار دون أن تتغير القيم؟

الزمن لا يعيد تشكيل الأدوار من فراغ، بل يفعل ذلك انطلاقًا مما تراكم من تجربة وفهم واتساع في الرؤية. ومع تغيّر المراحل، تتطور الطرق التي نؤدي بها الأدوار، بينما تبقى القيم ثابتة، تؤدي دورها كمرجعية...

سياسات الوظائف في مستقبل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي تعدّى أن يكون تطورًا تقنيًا يُقاس بقدرته على الأتمتة ورفع الكفاءة، فأصبح قوة بنيوية تعيد تشكيل أنماط العمل، وتعيد توزيع الدخل، وتختبر قدرة الدول على حماية تماسكها الاجتماعي وهويتها الوطنية. فالإشكالية المركزية اليوم...

التنقيب في آثار البيانات

إنه العام 3030، تواصل عمليات التنقيب على الآثار جهودها، للوصول لتفاصيل الحياة البشرية، في القرون السابقة، بعد أن تعرض التاريخ لفصل في البيانات أدى الى اختفاء الذاكرة الرقمية، حيث لم تعد عمليات التنقيب تُجرى في...