


عدد المقالات 442
مع عودة موسم الندوات والحوارات الفكرية، تعود الثقافة إلى واحدة من أهم وظائفها: أن تفتح الأسئلة التي تتجاوز اللحظة، وتساعد المجتمع على التفكير في ذاته وفي الاتجاه الذي يمضي إليه. وفي أولى هذه الحوارات حضرت الهوية، ومنها امتد النقاش إلى الأخلاق والقيم والمبادئ؛ وهي قضايا تبدو مألوفة، لكنها تصبح أكثر أهمية كلما تسارعت التحولات من حولنا.
غالباً ما نتحدث عن الهوية من زاوية ما يميز المجتمع: تاريخه، ولغته، وثقافته، وذاكرته، وانتمائه. لكن للهوية وظيفة أخرى لا تقل أهمية؛ فهي لا تخبرنا فقط من نحن، بل تساعدنا أيضاً على تحديد إلى أين نتجه، وكيف نختار الطريق.
ويمكن استعارة فكرة مهمة من مفهوم «الهوية القيادية»، ولكن خارج حدود الإدارة والقيادة. فالإنسان قد يمتلك المعرفة والخبرة والمهارات، وقد تتعدد أمامه الفرص والخيارات، لكن ذلك كله لا يحدد بالضرورة اتجاهه. ما يحدد الاتجاه في اللحظات الحاسمة هو تلك المنظومة الداخلية التي تتكون من القيم والمبادئ وما يؤمن الإنسان بأنه لا ينبغي أن يتنازل عنه.
إنها أشبه بالدفة؛ لا تمنع السفينة من الحركة، ولا تحدد سرعة الريح، ولا توقف تغير البحر، لكنها تحفظ الاتجاه.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين الهوية والقيم. فالهوية التي لا تتحول إلى مرجعية للاختيار قد تبقى تعريفاً نعتز به، لكنها لا تؤدي كامل وظيفتها. والقيمة التي لا تظهر عندما تتعارض الخيارات والمصالح قد تبقى مبدأً معلناً، لكنها لم تدخل بعد في صناعة القرار.
وهذا ربما أحد أهم تحديات عصرنا. فالتقدم أتاح للإنسان قدرة غير مسبوقة على الفعل، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يوسعان هذه القدرة كل يوم. لكن اتساع سؤال «ماذا نستطيع أن نفعل؟» يجعل سؤال «ماذا ينبغي أن نفعل؟» أكثر إلحاحاً، لا أقل.
فليست كل إمكانية ضرورة، وليست كل منفعة مبرراً، وليست كل ممارسة منتشرة معياراً. وهنا تعمل القيم بوصفها بوصلة تسبق القرار، لا موعظة تأتي بعده.
وعلى مستوى المجتمعات، تصبح المسألة أكثر أهمية. فالأمم أيضاً تحتاج إلى دفة تحفظ اتجاهها وسط التحولات. يمكنها أن تتطور، وأن تنفتح على المعرفة، وأن تستفيد من التكنولوجيا، وأن تعيد تشكيل مؤسساتها وأنماط حياتها، من دون أن تفقد قدرتها على معرفة ما تريد الاحتفاظ به وهي تتغير.
ومن هنا لا يصبح التمسك بالحق والعدل والأخلاق والمبادئ موقفاً في مواجهة التطور، بل شرطاً لأن يكون للتطور اتجاه ومعنى. الثبات المطلوب ليس ثبات الوسائل، وإنما ثبات المرجعية؛ والمرونة المطلوبة ليست مرونة المبادئ، وإنما القدرة على إيجاد صور جديدة لممارستها في واقع جديد.
ولعل هذا هو الجانب الذي يستحق مساحة أوسع في حواراتنا حول الهوية. فالسؤال ليس فقط كيف نحافظ عليها، بل كيف نجعلها حاضرة في الخيارات التي نصنع بها المستقبل؟ وكيف تنتقل القيم من الذاكرة والخطاب إلى المعايير التي تحكم نظرتنا إلى النجاح والمكانة والمسؤولية والمصلحة؟
وعندما نفكر في الهوية بهذه الطريقة، فإنها لا تعود شيئاً ننظر إليه خلفنا، بل قوة تساعدنا على النظر إلى الأمام.
ولهذا تأتي أهمية عودة الندوات الفكرية؛ ليس لأنها تقدم إجابات نهائية، بل لأنها تعيد إلى المجال العام الأسئلة التي ينبغي ألا تضيع وسط سرعة الحياة: ما الذي يحدد اتجاهنا؟ وما الذي يبقى مرجعيتنا عندما تتغير الظروف وتتعدد الخيارات؟
فالرياح ستتغير، والبحر سيتغير، وستزداد قدرتنا على الإبحار. لكن التحدي الحقيقي يظل في امتلاك الدفة التي تحفظ الاتجاه.
@maryamhamadi
بالتزامن مع احتفاء دولة قطر بيوم المعلم، كنت ولا أزال فخورة بأنني كنت معلمة. قصص تتقاطع فيها الأماكن والأسماء، لتنتج الجديد باستمرار. كنت معلمة، ولأن التعليم لم يكن بالنسبة لي وظيفة تنتهي داخل الصف مع...
أصبح التغيير سمة أساسية في عالمنا. تتطور التقنيات بسرعة، وتتغير المهن وأساليب العمل والتعليم والتواصل، ويدخل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل متزايدة من حياتنا. وفي ظل هذا التحول، أصبحت المرونة والابتكار والقدرة على التكيف متطلبات ضرورية...
حين تتسارع التحولات من حولنا، لا يكفي أن نسأل عمّا يتغير في أنماط الحياة والعمل والتواصل، بل يصبح من المهم أن نسأل أيضاً عمّا يحدث للمعاني التي توجه الإنسان وتضبط علاقته بنفسه ومجتمعه ووطنه. فالقيم...
ليست كل التحولات التي تمر بها المجتمعات أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء أسبابها؛ فبعضها يترك وراءه أسئلة جديدة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويجعل ما كان يبدو تفصيلًا في الأمس جزءًا من حسابات اليوم. والمجتمعات الأكثر وعيًا ليست...
نتفق على كثير من القيم، ونحرص على انتقالها بين الأجيال، ونستحضرها عندما نتحدث عن المجتمع الذي نريده. لكننا نواجه اليوم سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف تعيش هذه القيم في واقع يتغير من حولنا؟ فالقيم قد تظل...
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. تضعنا هذه الآية أمام أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في بناء الإنسان والمجتمع: أن القيم لا تنتقل بالكلمات وحدها، بل تحتاج إلى نموذج يجعلها مرئية في...
في الحديث عن القيم، لا تكمن المشكلة دائماً في ضعف القيم لدى الأفراد، بل قد تكون في وجود فجوة بين القيم التي نعلن أهميتها، والقيم التي تكافئها الممارسة الاجتماعية. فقد نتفق على قيمة ما، وندعو...
عندما نتحدث عن تطور الاقتصاد، نعود إلى الأرقام والمؤشرات. وعندما نتحدث عن التعليم، ننظر إلى النتائج وجودة المخرجات. وعندما نقيس التنمية، نستخدم مجموعة واسعة من المؤشرات التي تساعدنا على معرفة أين نحن، وإلى أين نتجه....
في الحديث عن التطور القيمي، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن القيم ذاتها: من يصنع قيم المجتمع؟ ومن المسؤول عن تعزيزها وحمايتها وتطويرها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم؟ قد تكون الإجابة الأولى هي...
منذ سنوات، يحرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في خطاباته على التأكيد أن التنمية لا تُقاس بحجم المشروعات ولا بمؤشرات النمو الاقتصادي وحدها، وإنما بقدرة المجتمع...
في أحد تصريحاته، قال إيلون ماسك إن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها العمل اختياريًا. انشغل كثيرون بالسؤال المعتاد: كم وظيفة ستختفي؟ لكن ربما كان السؤال الأهم مختلفًا تمامًا: ماذا سيبقى للإنسان إذا...
مقال يستحق القراءة كتبته سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني بعنوان «يُبا»، مستعيدة فيه سيرة والدها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، من خلال قيمه الإنسانية، ومنهجه في...