alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 95

سيفٌ من سيوف الله

28 نوفمبر 2024 , 10:37م

إنه الصحابي خالد بن الوليد (رضي الله عنه)، أثنى عليه رسول الله ﷺ فقال: (نعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليدِ سيفٌ من سيوفِ اللهِ) [الترمذي برقم: 3846]. اشتهر بعبقرية تخطيطه العسكري، وبراعته في قيادة جيوش المسلمين في حروب الردة وفتوح العراق والشام، ويعد (رضي الله عنه) أحد قادة الجيوش القلائل الذين لم يهزموا في معركة طوال حياتهم، فهو لم يهزم في أكثر من مائة معركة خاضها أمام قوات متفوقة عدديًا من الفرس والروم، ولا تزال خططه الحربية مثار إعجاب الشرق والغرب. كان خالد بن الوليد (رضي الله عنه) قبل إسلامه يقاتل الإسلام والمسلمين، فقاد جيش المشركين يوم أحد، واستطاع أن يحوِّل نصر المسلمين إلى هزيمة بعد أن هاجمهم من الخلف عندما تخلى الرماة عن مواقعهم، وظل خالد (رضي الله عنه) على شركه حتى كان عام الحديبية، فأرسل إليه أخوه الوليد بن الوليد (رضي الله عنه) كتابًا جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فأني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك!! ومثل الإسلام لا يجهله أحد، وقد سألني رسول الله ﷺ عنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به، فقال رسول الله ﷺ: ما مِثْلُهُ جهل الإسلام، ولو كان جعل نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ مع المسلمين على المشركين كان خيراً له ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة». فلما قرأ خالد (رضي الله عنه) كتاب أخيه، انشرح صدره للإسلام، فخرج فلقي عثمان بن طلحة، فحدثه أنه يريد الذهاب إلى المدينة، فشجعه عثمان على ذلك، وخرجا معًا، فقابلهما عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، فقال: مرحباً بالقوم. فقالوا: وبك. قال: أين سيركم؟ قالوا: ما أخرجك أنت؟ قال: بل ما أخرجكم أنتم؟ قالوا: الدخول في الإسلام واتباع محمد. قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعاً حتى قدمنا المدينة؛ وكان ذلك في نهاية السنة السابعة من الهجرة، فلما قدموا على النبي ﷺ رحب بهم، فأعلنوا إسلامهم، فقال ﷺ لخالد (رضي الله عنه): «قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير، فقال خالد: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيل الله، فقال ﷺ: إن الإسلام يجب ما كان قبله، اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع منه من صد عن سبيلك». ومنذ ذلك اليوم وخالد يقاتل في صفوف المسلمين ويقودهم، ويجاهد في كل مكان لإعلاء كلمة الحق، فخرج مع جيش المسلمين المتجه إلى مؤتة تحت إمرة زيد بن حارثة (رضي الله عنه)، وكانت وصية الرسول ﷺ أنه: (إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة) [البخاري]، فلما قتل الثلاثة وأصبح الجيش بلا أمير، جعل المسلمون خالدًا (رضي الله عنه) أميرهم، واستطاع خالد أن ينسحب بجيش المسلمين وينجو به. ويوم حنين، كان خالد (رضي الله عنه) في مقدمة جيش المسلمين، وجرح في هذه المعركة، فأتاه رسول الله ﷺ ليطمئن عليه ويعوده، ويقـال: إنـه نـفـث في جرحه فشفي بإذن الله (أخرجه أحمد، ج4 ص 88 - 351). واستمر خالد (رضي الله عنه) في جهاده وقيادته لجيش المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ، فحارب المرتدين ومانعي الزكاة، ومدعي النبوة، ورفع راية الإسلام ليفتح بها بلاد العراق وبلاد الشام. ولما اتجه المسلمون إلى فتح فارس؛ كان لخالد (رضي الله عنه) في هذا الميدان ما لم يكن لرجل سواه، فقد لقي الفرس وأنصارهم في خمس عشرة وقعة، لم يهزم في أيّة وقعة منها، ولم يخطئ ولم يخفق، ثم بعد ذلك أمره الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالتوجه إلى الشام لقتال الروم (علي الصلابي، أبو بكر الصديق، ص299-304) فكان لخالد (رضي الله عنه) شرف قيادة جيش المسلمين في وقعة اليرموك، كبرى معارك المسلمين. وعندما تولى الفاروق عمر (رضي الله عنه) الخلافة، عزل خالد بن الوليد من قيادة الجيش، وولَّى قيادة الجيش أبا عبيدة بن الجراح (رضي الله عنه)، فصدع بالأمر، وأسلم القيادة لخلفهِ، وأكمل خالد جهاده تحت راية القائد الجديد فكان جنديًّا مخلصًا مطيعًا لقائده، لا يدخر جهدًا ولا رأيًّا في نصرة الدين والحق. وظل خالد (رضي الله عنه) يجاهد في سبيل ربه حتى مرض، ولما احتضر بكى وقال: «لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبرٌ إلا وفيه ضربة سيف أو طعنةٌ برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء». وتوفي (رضي الله عنه) في مدينة حمص من أرض الشام سنة (21ه).

أهمية وفضل المساجد والاعتكاف فيها في شهر رمضان

إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد...

أهمية وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى في شهر رمضان المبارك

شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...

مكانة العقل في الإسلام وأثره في التمكين الحضاري

يبرز الإسلام مكانة العقل باعتباره أداة الفهم ووسيلة التكليف ومحور النهضة الإنسانية، وقد وجّه القرآن الكريم إلى إعمال النظر والتدبر والتثبت، وربط بين صفاء العقل وصحة الإيمان وسلامة المنهج. ومن خلال ضوابط شرعية واضحة تتشكل...

شهر البركات والعطاء.. فضل الصدقة في شهر رمضان المبارك

شهرُ رمضانَ موسمُ الخيرات، وميدانُ السباق إلى الطاعات، تتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الجنّان، ومن أعظم القُرُبات التي يتقرب بها العبدُ إلى ربّه في هذا الشهر المبارك: الإنفاقُ في سبيل الله،...

رفعة المنزلة وعلو القدر.. تكريم القرآن الكريم لإدريس عليه السلام

ورد ذكر إدريس عليه السلام في القرآن الكريم في سورة الأنبياء وفي سورة مريم، وقد جاء ذكر إدريس عليه السلام في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي...

بركات تلاوة القرآن في شهر الرحمة والغفران

جعل الله تعالى لتلاوة القرآن الكريم فضلًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، فهي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه آناء الليل وأطراف النهار، وتتضاعف مكانتها في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والصيام والقيام. قال الله تعالى في...

رمضان شهر المغفرة وموسم العتقاء

يمضي العمر سريعًا، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدَّم من عمل صالح يرجو به رضا الله والنجاة يوم الحساب، ومن كرم الله تعالى أن سخر الله لهذا الإنسان مواسم مباركة تفتح فيها أبواب الرحمة والمغفرة،...

العدل دُرَّةُ الأخلاق التي صنعت حضارة الإسلام

لم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مُثلٍ عُليا، أو وصايا تفخر بها دون ممارسة، أو تطبيق، ولكنه كان واقعاً عاشته هذه الأمة، ومارسته، وطبَّقته في واقع حياتها على مر تاريخها الطويل،...

الشورى في جمع القرآن والقضاء والجهاد

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...

التخطيط النبوي بين الأسباب والتوكل: رحلة الهجرة وثمرة التوكل على الله

الأصل أن يستعملَ العبدُ الأسبابَ التي بيّنها الله تعالى لعباده وأذن فيها، وهو يعتقد أنَّ المسبِّبَ هو الله سبحانه وتعالى، وما يصل إليه من المنفعة عند استعمالها بتقدير الله عز وجل، وأنّ إنْ شاء حرمه...

شهر رمضان فرصة لإعادة تأسيس البيت على هدي القرآن

يأتي شهر رمضان المبارك كل عام ليوقظ في القلوب معاني المراجعة، ويُعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان فرصة صادقة ليقيس مسيرته بميزان الوحي. وليس أولى بهذه المراجعة من البيت؛ ذلك الحصن الأول الذي تتشكل فيه الشخصية،...

القوة الاقتصادية وأثرها في نهضة الأمة

إن من أسباب التمكين أن يهتم العالم الاسلامي بالجانب الاقتصادي، لأن القوة الاقتصادية هي عصب الحياة الدنيا وقوامها، والضعيف فيها يقهر ولا يحسب له حساب إلا في ظل شرع الله حين يحكم، ولذلك ينبغي على...