alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 94

مكانة العقل في الإسلام وأثره في التمكين الحضاري

01 مارس 2026 , 12:10ص

يبرز الإسلام مكانة العقل باعتباره أداة الفهم ووسيلة التكليف ومحور النهضة الإنسانية، وقد وجّه القرآن الكريم إلى إعمال النظر والتدبر والتثبت، وربط بين صفاء العقل وصحة الإيمان وسلامة المنهج. ومن خلال ضوابط شرعية واضحة تتشكل التربية العقلية التي تصنع الإنسان الواعي القادر على تحصيل العلم النافع وتحقيق الاستخلاف. ولطالما اعتنى الإسلام بالتربية العقلية التي تُربي المخ، وتنمي قدرته على النظر، والتأمل، والتفكر، والتدبر، وذلك هو الذي يُؤهله لحمل أعباء الدعوة إلى الله، وهذا المطلب القرآني أرشد إليه ربنا سبحانه وتعالى في محكم تنزيله، وجعله أمراً لكل إنسان، قال تعالى: «قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ» [يونس: 101]. طاقات مهمة فالعقل إحدى طاقات الإنسان المهمة، ولذلك اهتمت التربية الإسلامية بالنظر إليه، وجعله المولى عز وجل مناط التكليف عند الإنسان، فمن حرم العقل لجنون أو غيره، فهو غير مكلف، أو قد سقط عنه التكليف، قال تعالى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً» [الإسراء: 36] فالعقل نعمة من الله على الإنسان، يتمكن بها من قبول العلم واستيعابه، وإن التعلم وتحصيل العلم وطلبه هو أهم وأقدس وظائف هذا العقل، فمن لم يطلب العلم ولم يسع من أجل الاستزادة منه للخروج من ظلام الجهل، فقد أهمل حق هذه النعمة العظيمة التي أنعمها الله عليه، وجعلها الميزة التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، ومن هنا كان طلب العلم فريضةً على كل مسلم كما جاء في الحديث النبوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ، حتى الحيتانِ في البحرِ» (أخرجه ابن ماجه: 224). وقد وضح الإسلام الشروط والقواعد التي تحدد منهج التعلم وطلب العلم، حتى يصبح هذا العلم علماً نافعاً لصاحبه ولمجتمعه وأمته. فحتى يمكن تحصيل العلم النافع لا بد من تنقية العقل من الوساوس الشيطانية والأهواء الشخصية والتفكير المنحرف والشوائب المضلة، وذلك حتى يتكون العقل السليم المتوافق مع الفطرة الإنسانية السلية التي فطر الله الناس عليها، ولكي يكون تفكير هذا العقل منضبطاً بمنطلقات ومقاصد الوحي والدين، فالعقل السليم هو شرط الانتفاع من العلم في شؤون الدين والدنيا، وهو الذي يؤهل الإنسان لعبادة الله تعالى بالمنهج الصحيح، وللقيام بوظيفة (الاستخلاف) في الأرض، وهي الوظيفة التي كلفه الله تعالى بها. ولتطهير العقل من كل ما يمكن أن يعيقه عن التفكير السليم بموضوعية، وصدق في طلب الحق، والحقيقة، فقد وضع الإسلام منهجاً لتربية العقل يتمثل في عدد من النقاط من أهمها: 1- تجريد العقل من المسلمات المبنية على الظن والتخمين، أو التبعية والتقليد، فقد حذر القرآن الكريم من ذلك، في عدة آيات ومنها قوله تعالى: «إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» [النجم: 28]. 2- إلزام العقل بالتحري والتثبت، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات: 6]. 3- دعوة العقل إلى التدبر والتأمل في نواميس الكون، قال تعالى: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ» [الحجر: 85]. 4- دعوة العقل إلى التأمل في حكمة ما شرع الله لعباده من عبادات ومعاملات، وأخلاق وآداب، وأسلوب حياة كامل، في السلم والحرب، في الإقامة والسفر، لأن ذلك فوق أن ينضج العقل وينميه بتعرفه على تلك الحكم، يعطيه أحسن الفرص ليطبق الشرع الرباني في حياته، ولا يبغي عنه حولا، لما فيه من السكينة والطمأنينة والسعادة البشرية، ولأن الله سبحانه وتعالى إنما شرع ما شرع لذلك، قال سبحانه: «يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم وَيَهدِيَكُم سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيكُم وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم* وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيكُم وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيلًا عَظِيماً * يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُم وَخُلِقَ ٱلإِنسَٰنُ ضَعِيفا» [النساء: 26- 28]. إن علماء الأمة وفقهاءها على مر العصور والأزمان منذ بزوغ الإسلام إلى عصرنا الحاضر غاصوا في حكم التشريع وحكمته وتركوا للعالم كله رصيداً هائلاً ضخماً في أبواب الفقه الإسلامي، والمعاملات بين الناس كان من أسباب سعادة الدنيا والآخرة لمن التزم بالمنهج الرباني (محمود، 1990، 1/475). 5- دعوة العقل إلى النظر في سنة الله في الناس عبر التاريخ البشري، ليتعظ الناظر في تاريخ الآباء والأجداد والأسلاف، ويتأمل في سنن الله في الأمم والشعوب والدول. قال تعالى: «أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ» [الأنعام: 6]. وهذا هو المنهج الرباني للعقل لكي لا يضل في التيه الذي ضل فيه كثير من الفلاسفة الذين قدسوا العقل وأعطوه أكثر مما يستحق. وأما الآثار العملية من هذا التوجيه الرباني في العقل فتتمثل في أمور من أهمها: 1- تنقية العقل من الوهم والخرافة، والدجل والمسلمات المبنية على الظنون والأوهام، وتربيته على التريث والتثبت، حتى لا يتسرع فيظلم ويندم وحينئذ لا ينفع الندم. 2- تعويد العقل على إدراك حقيقة هذا الكون الذي يعيش فيه وإلزامه بأن يتعرف على الحق عن قرب ويقين. 3- حضّ العقل على التأمل والنظر في حكمة الله سبحانه وتعالى، فيما شرعه للناس من منهج ونظام، يحقق لهم سعادة الدارين، وتمكين العقل من التأمل في تاريخ البشرية، وهذا التاريخ هو أكبر كتاب وأوسعه أبواباً وفصولاً ليخرج بفائدة جليلة يستطيع أن يقارن بدقة وحسم بين الكفر والإيمان، وأعمال المؤمنين وضلال الكافرين (محمود، 1990، 1/487). وضمن هذه الشروط والضوابط يمكن تحصين العقل من الانحراف المنهجي في التفكير والحكم على الحوادث والظواهر التي تحيط بالإنسان، فتصبح نظرة الإنسان لما حوله ربانية، وليست نظرةً دنيوية مادية مجردة، وبذلك يتمكن من تحصيل العلم النافع المطلوب بصورته الحقيقية، والمقصود بالعلم النافع عموماً هو ما ينفع المسلم في دينه ودنياه، فهو العلم الذي يفهم من خلاله عقيدته وأصول الفقه والعبادات والمعاملات والأحكام والأخلاق في الإسلام، وهو العلم الذي يتعلم من خلاله أيضاً ما يعينه على شؤون دنياه، وما يجعله مواكباً لمستوى عصره العلمي والمعرفي، ويكسبه دوراً فاعلاً في التقدم العلمي البشري في مختلف العلوم الطبيعية والتطبيقية. وهذا العلم النافع بشقيه هو شرط النصر والنهضة والتمكين للأمة الإسلامية، ولذلك فإن تحصيله وطلبه واجباً على الأفراد والجماعات من هذه الأمة (الصلابي، 2006).

أهمية وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى في شهر رمضان المبارك

شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...

شهر البركات والعطاء.. فضل الصدقة في شهر رمضان المبارك

شهرُ رمضانَ موسمُ الخيرات، وميدانُ السباق إلى الطاعات، تتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الجنّان، ومن أعظم القُرُبات التي يتقرب بها العبدُ إلى ربّه في هذا الشهر المبارك: الإنفاقُ في سبيل الله،...

رفعة المنزلة وعلو القدر.. تكريم القرآن الكريم لإدريس عليه السلام

ورد ذكر إدريس عليه السلام في القرآن الكريم في سورة الأنبياء وفي سورة مريم، وقد جاء ذكر إدريس عليه السلام في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي...

بركات تلاوة القرآن في شهر الرحمة والغفران

جعل الله تعالى لتلاوة القرآن الكريم فضلًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، فهي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه آناء الليل وأطراف النهار، وتتضاعف مكانتها في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والصيام والقيام. قال الله تعالى في...

رمضان شهر المغفرة وموسم العتقاء

يمضي العمر سريعًا، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدَّم من عمل صالح يرجو به رضا الله والنجاة يوم الحساب، ومن كرم الله تعالى أن سخر الله لهذا الإنسان مواسم مباركة تفتح فيها أبواب الرحمة والمغفرة،...

العدل دُرَّةُ الأخلاق التي صنعت حضارة الإسلام

لم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مُثلٍ عُليا، أو وصايا تفخر بها دون ممارسة، أو تطبيق، ولكنه كان واقعاً عاشته هذه الأمة، ومارسته، وطبَّقته في واقع حياتها على مر تاريخها الطويل،...

الشورى في جمع القرآن والقضاء والجهاد

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...

التخطيط النبوي بين الأسباب والتوكل: رحلة الهجرة وثمرة التوكل على الله

الأصل أن يستعملَ العبدُ الأسبابَ التي بيّنها الله تعالى لعباده وأذن فيها، وهو يعتقد أنَّ المسبِّبَ هو الله سبحانه وتعالى، وما يصل إليه من المنفعة عند استعمالها بتقدير الله عز وجل، وأنّ إنْ شاء حرمه...

شهر رمضان فرصة لإعادة تأسيس البيت على هدي القرآن

يأتي شهر رمضان المبارك كل عام ليوقظ في القلوب معاني المراجعة، ويُعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان فرصة صادقة ليقيس مسيرته بميزان الوحي. وليس أولى بهذه المراجعة من البيت؛ ذلك الحصن الأول الذي تتشكل فيه الشخصية،...

القوة الاقتصادية وأثرها في نهضة الأمة

إن من أسباب التمكين أن يهتم العالم الاسلامي بالجانب الاقتصادي، لأن القوة الاقتصادية هي عصب الحياة الدنيا وقوامها، والضعيف فيها يقهر ولا يحسب له حساب إلا في ظل شرع الله حين يحكم، ولذلك ينبغي على...

فقه القيادة وأبعاده الحضارية في قصة ذي القرنين

إن الله تعالى أظهر في سيرة أحسن الملوك -ذي القرنين- (1)، مفاهيم حضارية وجعل في سيرته دروسًا لكل من أراد أن يحكم بالحق والعدل من الحكام في الناس، فأرشد القرآن الكريم عباده إلى ركائز الحضارة...

سليمان عليه السلام ... التمكين المؤيَّد بالوحي والعلم والحكمة

تسلم سليمان عليه السلام قيادة الدولة القوية التي أسست على الإيمان والتوحيد وتقوى الله تعالى، لقد أوتي سليمان عليه السلام الملك الواسع والسلطان العظيم، بحيث لم يؤت أحد مثلما أوتي، ولكنه أعطى قبل ذلك عطاء...